السبت إلى الخميس، 9:00 صباحًا - 6:00 مساءً

الرؤى القانونية

الرقابة القانونية على إصدار الشيك في القانون المصري

يحتل الشيك مركزًا خاصًا في المعاملات التجارية والمصرفية؛ فهو في الأصل أداة وفاء تستحق بمجرد الاطلاع، وليس وسيلة ائتمان مؤجلة بالمعنى الذي تقوم عليه بعض الأوراق التجارية الأخرى. ولذلك أحاطه قانون التجارة رقم 17 لسنة 1999 بمجموعة من القواعد التي تنظم إنشاؤه، ومقابل الوفاء، وتقديمه للبنك، ومسؤولية الساحب، والتزامات البنك المسحوب عليه، والجزاءات المترتبة على إساءة استخدامه.

ولا تعني «الرقابة القانونية على إصدار الشيك» وجود جهة توافق مسبقًا على كل شيك قبل تحريره، وإنما تعني وجود منظومة من الضوابط تبدأ بالشروط القانونية للصك ووجود مقابل الوفاء، وتمر بالتزامات البنك عند إصدار دفاتر الشيكات وعند تقديمها للصرف، وتنتهي بالمسؤولية المدنية أو الجنائية والقضائية عند مخالفة هذه القواعد.

أولًا: متى يعتبر الصك شيكًا في مفهوم القانون؟

حددت المادة 473 من قانون التجارة البيانات التي يجب أن يشتمل عليها الشيك، ومن أهمها:

  • كلمة «شيك» مكتوبة في متن الصك وباللغة التي كتب بها.
  • أمر غير معلق على شرط بوفاء مبلغ معين من النقود.
  • اسم البنك المسحوب عليه.
  • مكان الوفاء.
  • تاريخ ومكان إصدار الشيك.
  • اسم وتوقيع الساحب.

وتقرر المادة 474 أن الصك الخالي من أحد هذه البيانات لا يعتبر شيكًا، مع الاستثناءات التي حددها القانون بالنسبة إلى بعض البيانات مثل مكان الوفاء أو مكان الإصدار.

كما تنص المادة 475 على أن الشيك الصادر في مصر والمستحق الوفاء فيها لا يجوز سحبه إلا على بنك، وأن الصك المحرر في صورة شيك على غير بنك أو على غير نماذج البنك المسحوب عليه لا يعتبر شيكًا في مفهوم هذه الأحكام.

ثانيًا: مقابل الوفاء يجب أن يكون موجودًا عند إصدار الشيك

تنظم المادة 497 من قانون التجارة مقابل الوفاء، وتلزم ساحب الشيك أو من سحب الشيك لحسابه بأن يوجد لدى البنك المسحوب عليه مقابل وفاء الشيك.

ويعتبر مقابل الوفاء موجودًا متى كان للساحب – وقت إصدار الشيك – مبلغ من النقود مستحق الأداء لدى البنك، يساوي على الأقل قيمة الشيك، ويجوز له التصرف فيه بواسطة شيك وفق العلاقة القائمة مع البنك.

ومن هنا فإن الالتزام القانوني الأساسي يقع على الساحب: يجب أن يوجد مقابل وفاء قابل للصرف عند إصدار الشيك، وليس مجرد توقع بأن تدخل أموال إلى الحساب في وقت لاحق.

وتضيف المادة 498 أن عبء إثبات وجود مقابل الوفاء وقت الإصدار يقع على الساحب عند الإنكار.

ثالثًا: الجريمة لا ينظمها قانون العقوبات وإنما قانون التجارة

من الأخطاء التي لا تزال تتكرر في بعض الكتابات القانونية نسبة جريمة إصدار شيك بدون رصيد إلى قانون العقوبات. كان لذلك أساس تاريخي في ظل النظام التشريعي السابق، لكن القانون الحاكم حاليًا هو قانون التجارة رقم 17 لسنة 1999.

فالمادة 534 تعاقب من يرتكب عمدًا إحدى الصور الآتية:

  • إصدار شيك ليس له مقابل وفاء قابل للصرف.
  • استرداد كل الرصيد أو بعضه بعد إصدار الشيك أو التصرف فيه بحيث يصبح الباقي غير كاف للوفاء.
  • إصدار أمر للبنك بعدم صرف الشيك في غير الحالات التي يسمح بها القانون.
  • تحرير الشيك أو التوقيع عليه بسوء نية بطريقة تحول دون صرفه.

كما يعاقب القانون – وفق شروط النص – من يظهر لغيره شيكًا تظهيرًا ناقلًا للملكية أو يسلمه شيكًا مستحق الدفع لحامله مع علمه بعدم وجود مقابل وفاء كاف أو بأن الشيك غير قابل للصرف.

رابعًا: العقوبة المقررة لإصدار شيك بدون مقابل وفاء

تقرر المادة 534 الحبس والغرامة التي لا تجاوز خمسين ألف جنيه، أو إحدى هاتين العقوبتين، بالنسبة إلى الصور الأساسية التي حددها النص.

وفي حالة العود خلال خمس سنوات من تاريخ الحكم النهائي في إحدى هذه الجرائم، يشدد القانون العقوبة وفق الأحكام الواردة بالمادة.

كما أجاز المشرع الصلح في الجرائم المنصوص عليها في المادة 534، ويترتب على الصلح انقضاء الدعوى الجنائية، بل يجوز أن يترتب عليه وقف تنفيذ العقوبة إذا تم أثناء تنفيذها ولو بعد صيرورة الحكم باتًا، وفق شروط النص.

خامسًا: متى تتم جريمة إصدار الشيك بدون رصيد؟

الأصل أن الجريمة تتصل بفعل إصدار الشيك وتسليمه للمستفيد مع توافر العلم بعدم وجود مقابل وفاء قابل للصرف.

ولذلك لا يصح القول إن تقديم الشيك إلى البنك خلال الميعاد التجاري هو الذي ينشئ الجريمة. تقديم الشيك إجراء لازم للمطالبة بالوفاء وإثبات موقف البنك، لكن وقوع الجريمة في صورتها الأساسية يرتبط بفعل الإصدار ذاته متى توافرت أركانه.

وقد استقر قضاء محكمة النقض – في المبادئ المتعلقة بالشيك – على أن الجريمة تتحقق بإعطاء الشيك للمستفيد مع العلم بعدم وجود مقابل وفاء صالح للسحب، وأن تقديم الشيك إلى البنك يمثل إجراءً ماديًا يستهدف استيفاء قيمته.

سادسًا: ميعاد تقديم الشيك للبنك

تنص المادة 504 من قانون التجارة – بصيغتها الحالية – على أن الشيك المسحوب في مصر والمستحق الوفاء فيها يجب تقديمه للوفاء خلال ستة أشهر، تبدأ من التاريخ المبين في الشيك.

أما الشيك المسحوب خارج مصر والمستحق الوفاء فيها، فيجب تقديمه خلال أربعة أشهر وفق النص.

ومع ذلك، فإن انتهاء ميعاد التقديم لا يعطي البنك الحق في الامتناع عن الوفاء إذا كان الشيك مستحق الوفاء في مصر وكان مقابل الوفاء لا يزال قائمًا؛ إذ تقرر المادة 506 أن البنك لا يجوز له الامتناع عن الوفاء في هذه الحالة لمجرد انقضاء ميعاد التقديم.

سابعًا: الشيك أداة وفاء ولو اتفق الأطراف على استخدامه كضمان

الأصل في التنظيم القانوني للشيك أنه مستحق الوفاء بمجرد الاطلاع عليه. ولذلك لا يستطيع الساحب، بمجرد اتفاق داخلي مع المستفيد على أن الشيك «ضمان» أو «تأمين»، أن يغير تلقائيًا من الطبيعة القانونية للصك إذا كان مستوفيًا مقومات الشيك التي حددها القانون.

لكن يجب دائمًا فحص الورقة ذاتها وبياناتها والظروف القانونية المحيطة بها، خصوصًا مع وجود فروق بين المسؤولية الصرفية والمدنية والجنائية.

ثامنًا: مسؤولية البنك عند تسليم دفتر الشيكات

فرض قانون التجارة التزامات محددة على البنك عندما يسلم العميل دفتر شيكات.

فالمادة 530 تلزمه بأن يتضمن كل نموذج من نماذج الدفتر:

  • رقم الشيك.
  • اسم البنك أو أحد فروعه.
  • اسم العميل الذي تسلم الدفتر.
  • رقم حساب العميل.

كما جرمت المادة 533 تعمد موظف البنك تسليم أحد العملاء دفتر شيكات لا يتضمن البيانات التي أوجبتها المادة 530، وجعلت البنك مسؤولًا بالتضامن مع الموظف المحكوم عليه عن سداد العقوبات المالية المحكوم بها.

وهذه هي الرقابة القانونية المباشرة التي قررها قانون التجارة بالنسبة إلى إصدار دفاتر الشيكات.

تاسعًا: هل يمنع البنك من إعطاء دفتر شيكات للعميل المتعثر؟

لا يتضمن قانون التجارة قاعدة عامة مؤداها أن كل عميل متعثر أو سبق أن ارتد له شيك يمنع تلقائيًا من الحصول على دفتر شيكات.

وقد تكون هناك سياسات مصرفية وضوابط لإدارة مخاطر العملاء واستخدام أدوات الدفع، لكن لا يجوز تحويل هذه السياسات إلى قاعدة تشريعية عامة دون تحديد مصدرها التنظيمي.

أما المنع الصريح الذي قرره قانون التجارة فيظهر في حالة العود؛ إذ تجيز المادة 537 للمحكمة أن تأمر بسحب دفتر الشيكات من المحكوم عليه ومنعه من الحصول على دفاتر شيكات جديدة لمدة تحددها المحكمة، وتتولى النيابة العامة إخطار جميع البنوك بهذا الأمر.

عاشرًا: التزامات البنك عند تقديم الشيك للصرف

لا يقتصر دور البنك على تنفيذ عملية الخصم. فقد نظم القانون مجموعة من الالتزامات والجزاءات المرتبطة بالتعامل مع الشيك بعد تقديمه.

ومن بين الأفعال التي تعاقب عليها المادة 533 إذا ارتكبها موظف البنك عمدًا:

  • التصريح على خلاف الحقيقة بعدم وجود مقابل وفاء أو بأن الموجود أقل من الحقيقة.
  • رفض الوفاء بسوء نية رغم وجود مقابل وفاء كامل أو جزئي وعدم وجود اعتراض صحيح.
  • الامتناع عن إعطاء البيان الذي يفرضه القانون بشأن الامتناع عن الوفاء.
  • مخالفة البيانات الإلزامية في دفاتر الشيكات.

ومن ثم فإن البنك لا يراقب «نية الساحب» عند تحرير كل شيك، لكنه يتحمل واجبات قانونية محددة عند إدارة الحساب والوفاء بالشيكات وإثبات موقفه منها.

الحادي عشر: مسؤولية البنك عن الشيك المزور أو المحرف

تنظم مواد أخرى من قانون التجارة المسؤولية عند تزوير توقيع الساحب أو تحريف الشيك أو فقد دفتر الشيكات.

وتعتمد المسؤولية هنا على طبيعة التزوير ومدى الخطأ المنسوب إلى العميل أو البنك، وما إذا كان البنك قد بذل العناية الواجبة في التحقق من توقيع الساحب، وما إذا كان العميل قد حافظ على دفتر الشيكات بالعناية المطلوبة.

لذلك لا توجد قاعدة تجعل البنك مسؤولًا عن كل شيك مزور، كما لا يجوز إعفاؤه تلقائيًا من المسؤولية بمجرد أن العميل كان يحتفظ بالدفتر.

الثاني عشر: الأمر بعدم صرف الشيك

لا يجوز للساحب أن يصدر أمرًا للبنك بوقف صرف الشيك لمجرد نشوء خلاف تجاري مع المستفيد.

وقد اعتبرت المادة 534 إصدار أمر بعدم الصرف – خارج الحالات التي يجيزها القانون – إحدى صور التجريم.

والأصل أن الشيك أداة وفاء، فلا يجوز للساحب بعد تسليمه أن يعطل صرفه بإرادته المنفردة إلا في الحدود والاستثناءات القانونية المقررة.

الثالث عشر: القصد الجنائي والعلم بعدم وجود الرصيد

الجريمة المنصوص عليها في المادة 534 جريمة عمدية، ويتطلب تطبيقها توافر العلم بالحالة التي تجعل الشيك غير قابل للصرف بحسب الصورة محل الاتهام.

وفي حالة إصدار شيك بلا مقابل وفاء، تتمثل المسألة الأساسية في علم الساحب بعدم وجود مقابل وفاء قابل للصرف وقت الإصدار.

ولا يشترط لإثبات هذا العلم اعتراف صريح من الساحب؛ فيجوز استخلاصه من ظروف الواقعة والأدلة المطروحة وفق القواعد العامة في الإثبات الجنائي.

الرابع عشر: هل يشترط إنذار الساحب قبل تحريك الدعوى الجنائية؟

لا يجعل قانون التجارة إنذار الساحب أو إعذاره شرطًا عامًا لقيام الجريمة المنصوص عليها في المادة 534.

فالجريمة تستند إلى فعل الإصدار أو غيره من الأفعال التي عددها النص، ولا يتوقف وجودها على مطالبة لاحقة للساحب بإيداع الرصيد.

ومع ذلك، تظل الإجراءات المتعلقة بتقديم الشيك وإثبات الامتناع عن الوفاء ذات أهمية عملية في الإثبات والمطالبة بالحقوق الصرفية والمدنية.

الخامس عشر: الفرق بين الرقابة على الشيك والمسؤولية عن إصداره

يمكن تقسيم الحماية القانونية للشيك إلى ثلاث مستويات:

  • رقابة قانونية على إنشاء الشيك: من خلال بياناته الإلزامية واشتراط سحبه على بنك وعلى نموذج البنك.
  • رقابة مصرفية على التعامل به: من خلال قواعد دفاتر الشيكات والوفاء وإثبات الامتناع والمسؤولية عن بعض أخطاء موظفي البنك.
  • رقابة قضائية لاحقة: من خلال الفصل في الجرائم والمنازعات الصرفية والمدنية التي تنشأ عن إصدار الشيك أو تداوله أو عدم الوفاء به.

وهكذا فالقانون لا يخضع كل إصدار شيك إلى موافقة مصرفية سابقة، وإنما يضع قواعد مسبقة ومسؤوليات لاحقة تضمن – بقدر الإمكان – بقاء الشيك أداة وفاء موثوقة.

السادس عشر: أهم الاحتياطات عند إصدار الشيك

  • التأكد من وجود مقابل وفاء قابل للصرف عند إصدار الشيك.
  • عدم إصدار أو توقيع شيكات على بياض إلا في الحالات التي تدرك فيها المخاطر القانونية بصورة كاملة.
  • عدم إصدار أمر بوقف الصرف إلا إذا كان هناك أساس قانوني يجيز ذلك.
  • المحافظة على دفتر الشيكات ومنع الغير من الوصول إليه أو استخدامه.
  • إخطار البنك سريعًا عند فقد دفتر الشيكات أو اكتشاف استخدام غير مشروع له.
  • مراجعة بيانات الشيك قبل تسليمه والتأكد من صحة المبلغ والتاريخ والمستفيد والتوقيع.
  • الاحتفاظ بالمستندات المتعلقة بسبب إصدار الشيك لما قد تكون لها من أهمية في المنازعات المدنية أو التجارية.

الخلاصة

الرقابة القانونية على إصدار الشيك في مصر تقوم على منظومة متكاملة ينظمها أساسًا قانون التجارة رقم 17 لسنة 1999. تبدأ هذه المنظومة بالشروط اللازمة لاكتساب الصك صفة الشيك، ثم اشتراط وجود مقابل وفاء قابل للصرف وقت الإصدار، وتمر بالتزامات البنك في شأن دفاتر الشيكات والوفاء، وتنتهي بالمسؤولية المدنية والجنائية عند مخالفة القانون.

والنقطة الأهم أن المادة 497 تنظم وجود مقابل الوفاء، بينما المادة 534 تجرم إصدار الشيك دون مقابل وفاء أو ارتكاب الأفعال الأخرى التي تحول دون صرفه. كما أن تقديم الشيك للبنك ليس هو الذي ينشئ الجريمة، ولا يجوز نسبة المسؤولية الجنائية الحالية إلى قانون العقوبات بدلًا من قانون التجارة.

وعليه، فإن سلامة استخدام الشيك تقوم على ثلاثة عناصر أساسية: صحة الصك، ووجود مقابل الوفاء عند الإصدار، وعدم اتخاذ أي إجراء لاحق يؤدي عمدًا إلى تعطيل الوفاء بالمخالفة للقانون.