مقدمة
لم يعد تطور السياسة الجنائية الحديثة يقاس فقط بمدى تشديد العقوبات، وإنما كذلك بقدرة النظام القضائي على حماية المجتمع، وإنصاف المجني عليه، وإصلاح مرتكب الجريمة، ومعالجة آثار النزاع بأقل قدر ممكن من الأضرار الاجتماعية.
ومن هذا المنطلق برزت العدالة التصالحية باعتبارها اتجاهًا يركز على معالجة الضرر الناشئ عن الجريمة، وإشراك المجني عليه والشخص المنسوب إليه الفعل – في الحالات التي تسمح بذلك – في الوصول إلى نتيجة تحقق قدرًا من الجبر وتحمل المسؤولية وإعادة الاندماج، بدلًا من حصر الاستجابة الجنائية في العقوبة وحدها.
وتعد الوساطة الجنائية إحدى أدوات هذا الاتجاه، لكنها ليست مرادفًا للصلح أو التصالح. فالوساطة تفترض وجود إجراء منظم، ووسيط محايد، ومشاركة رضائية للأطراف، وضمانات للسرية والعدالة، بينما قد يتم الصلح مباشرة بين المتهم والمجني عليه دون تدخل وسيط.
وتكتسب هذه التفرقة أهمية خاصة في مصر بعد صدور قانون الإجراءات الجنائية الجديد رقم 174 لسنة 2025، الذي أعاد تنظيم الصلح والتصالح وأدخل تطورات مهمة في أثرهما على الدعوى الجنائية، لكنه لم ينشئ حتى الآن نظامًا عامًا ومستقلًا للوساطة الجنائية بالمعنى الفني المعروف في نظم العدالة التصالحية المقارنة.
أولًا: أين تقف مصر تشريعيًا في سبتمبر 2026؟
شهد مشروع قانون الإجراءات الجنائية الجديد مسارًا تشريعيًا استثنائيًا. فقد أعاده رئيس الجمهورية إلى مجلس النواب في 21 سبتمبر 2025 لإعادة دراسة عدد من مواده، وكان من بين أسباب الاعتراض الحاجة إلى زيادة الضمانات المقررة لحماية الحقوق والحريات، وتعزيز حرمة المساكن، والتوسع في بدائل الحبس الاحتياطي، وإزالة مواطن الغموض التي قد تؤدي إلى اختلاف في التفسير أو مشكلات عند التطبيق.
وبعد إعادة مناقشة المواد محل الاعتراض، وافق مجلس النواب على تعديلها في جلسته العامة المنعقدة بتاريخ 16 أكتوبر 2025، ثم صدر قانون الإجراءات الجنائية الجديد رقم 174 لسنة 2025 بتاريخ 12 نوفمبر 2025.
وحدد المشرع 1 أكتوبر 2026 موعدًا لبدء العمل بالقانون الجديد. ولذلك، وحتى نهاية سبتمبر 2026، يظل قانون الإجراءات الجنائية رقم 150 لسنة 1950 هو الإطار الإجرائي العام النافذ، على أن تبدأ المنظومة الجديدة اعتبارًا من أول أكتوبر 2026.
وتكتسب هذه المرحلة الانتقالية أهمية خاصة؛ إذ تستعد الجهات القضائية والنيابة العامة والمحامون ومأمورو الضبط القضائي لتطبيق قانون جديد يتضمن تغييرات واسعة في إجراءات التحقيق والمحاكمة والحقوق والضمانات.
ثانيًا: ما المقصود بالوساطة الجنائية؟
الوساطة الجنائية هي إجراء رضائي منظم يشارك فيه المجني عليه والمتهم أو مرتكب الفعل، بحسب المرحلة الإجرائية، بمساعدة وسيط محايد، بهدف معالجة النتائج المترتبة على الجريمة والوصول – متى كان ذلك مناسبًا – إلى اتفاق مقبول للطرفين.
وقد يشمل الاتفاق تعويض المجني عليه، أو رد المال، أو إصلاح التلف، أو الاعتذار، أو الالتزام بسلوك أو برنامج تأهيلي، أو اتخاذ تدابير عملية تمنع تجدد النزاع.
ولا يصدر الوسيط حكمًا، ولا يملك فرض التسوية على أي طرف، ولا يحل محل النيابة العامة أو المحكمة. ووظيفته الأساسية إدارة الحوار في بيئة محايدة تتيح للأطراف التوصل بإرادتهم إلى نتيجة تعالج الضرر الناشئ عن الجريمة.
ثالثًا: الوساطة الجنائية ليست هي الصلح أو التصالح
من الضروري التمييز بين ثلاثة مفاهيم قانونية قد تتقارب في نتائجها أحيانًا، لكنها تختلف في بنيتها:
- الصلح: اتفاق بين المجني عليه والمتهم يرتب القانون عليه أثرًا في الدعوى الجنائية متى كانت الجريمة من الحالات التي أجاز فيها المشرع الصلح.
- التصالح: آلية قانونية تتم وفق شروط يحددها القانون، وقد تكون بين المتهم والدولة أو الجهة المختصة، وقد ترتبط بأداء مبلغ أو تسوية مركز قانوني معين.
- الوساطة الجنائية: عملية تفاوض منظمة يتدخل فيها وسيط محايد لمساعدة الأطراف على الوصول إلى تسوية رضائية.
ومن ثم، فإن وجود الصلح والتصالح في التشريع المصري لا يعني أن النظام القانوني أخذ تلقائيًا بالوساطة الجنائية؛ فلكل آلية مقوماتها وإجراءاتها وآثارها القانونية.
رابعًا: ماذا يتضمن قانون الإجراءات الجنائية الجديد في مجال العدالة التصالحية؟
رغم أن القانون رقم 174 لسنة 2025 لم ينشئ نظامًا مستقلًا للوساطة، فإنه يكشف عن توسع مهم في الأدوات التي تسمح بإنهاء الدعوى الجنائية أو التأثير في العقوبة عن طريق الصلح أو التصالح.
1. التصالح في المخالفات وبعض الجنح
تنظم المادة 20 من القانون الجديد التصالح في المخالفات، وكذلك في الجنح التي تدخل في الحدود التي عينها النص من حيث نوع العقوبة ومقدارها.
ويتم التصالح بأداء المبلغ المحدد قانونًا، ويختلف مقداره بحسب ما إذا كان التصالح قد وقع قبل رفع الدعوى الجنائية أو بعد رفعها وقبل صدور الحكم في الموضوع.
ويترتب على استيفاء التصالح وفقًا للنص انقضاء الدعوى الجنائية، دون أن يكون لهذا الانقضاء أثر على الدعوى المدنية.
وهذه الآلية تختلف جوهريًا عن الوساطة؛ لأنها تقوم على شروط ومبالغ حددها القانون ولا تستلزم تفاوضًا بين المجني عليه والمتهم أو تدخل وسيط مستقل.
2. الصلح بين المجني عليه والمتهم
تنظم المادة 21 الصلح في قائمة محددة من الجنح والمخالفات المنصوص عليها في قانون العقوبات، ومن بينها بعض صور القتل والإصابة الخطأ، والضرب والإيذاء، والنصب، وخيانة الأمانة وغيرها من الجرائم التي حددها المشرع.
ويجوز إثبات الصلح أمام النيابة العامة أو المحكمة، كما أجاز القانون حصوله في أية حالة كانت عليها الدعوى، وبعد صيرورة الحكم باتًا.
ويترتب على الصلح في الجرائم المشمولة بالمادة انقضاء الدعوى الجنائية ولو كانت مرفوعة بطريق الادعاء المباشر، كما تأمر النيابة العامة بوقف تنفيذ العقوبة إذا تم الصلح قبل تنفيذها أو أثناء التنفيذ، مع عدم المساس بحقوق المضرور المدنية.
3. الصلح في بعض جرائم القتل والاعتداء الجسيم
استحدثت المادة 22 تنظيمًا لافتًا أجاز لورثة المجني عليه أو وكيلهم الخاص إثبات الصلح، حتى صدور حكم بات، في جرائم محددة أوردها النص من قانون العقوبات، وتشمل صورًا من جرائم القتل العمد وبعض الاعتداءات التي تفضي إلى الموت.
لكن المشرع لم يرتب على الصلح هنا انقضاء الدعوى الجنائية، وإنما جعل أثره تخفيف العقوبة وفقًا للمادة 17 من قانون العقوبات.
وتكشف هذه التفرقة عن فلسفة مهمة؛ فالمشرع لم يجعل أثر الصلح واحدًا في جميع الجرائم، وإنما ربطه بجسامة الفعل والمصلحة العامة التي تحميها القاعدة الجنائية.
4. التصالح في بعض جرائم المال العام
كما تنظم المادة 23 التصالح في الجرائم المنصوص عليها في الباب الرابع من الكتاب الثاني من قانون العقوبات، من خلال تسوية تجري بمعرفة لجنة من الخبراء، ثم تعرض على مجلس الوزراء لاعتمادها.
ويرتب التصالح المستوفي لشروطه آثارًا على الدعوى الجنائية وتنفيذ العقوبات وفق التفصيل الذي حدده النص، بما يؤكد تعدد صور التصالح في التشريع المصري واختلافها بحسب طبيعة الجريمة والمصلحة محل الحماية.
خامسًا: هل أنشأ القانون الجديد نظامًا للوساطة الجنائية؟
الإجابة: لا، ليس بالمعنى الفني لنظام الوساطة الجنائية المستقل.
فالقانون نظم الصلح والتصالح وآثارهما، لكنه لم يضع نظامًا عامًا للإحالة إلى وسيط جنائي محايد، ولم ينشئ سجلًا للوسطاء، أو قواعد مستقلة لجلسات الوساطة وسريتها، أو ضوابط لاستخدام المعلومات التي يتم الإفصاح عنها أثناء التفاوض، أو أحكامًا تفصيلية لآثار نجاح الوساطة أو فشلها.
ومن ثم فإن الأدق وصف الاتجاه التشريعي المصري الحالي بأنه توسع في الأدوات التصالحية، دون الوصول بعد إلى تقنين الوساطة الجنائية كمسار إجرائي مستقل ومتكامل.
سادسًا: لماذا قد تحتاج مصر إلى الوساطة رغم وجود الصلح؟
قد يبدو للوهلة الأولى أن الصلح يغني عن الوساطة، لكن الفرق العملي بينهما كبير.
فقد يكون التواصل المباشر بين المتهم والمجني عليه متعذرًا بسبب التوتر أو الخوف أو فقدان الثقة، أو قد يختلف الطرفان حول طبيعة الضرر وطريقة جبره. وهنا يستطيع الوسيط المؤهل توفير بيئة منظمة وآمنة للحوار دون الانحياز إلى أحدهما.
كما تسمح الوساطة بالنظر إلى الضرر بصورة أوسع من مجرد التعويض المالي، فقد يحتاج المجني عليه إلى رد مال، أو إصلاح شيء تالف، أو تفسير لما حدث، أو اعتذار، أو ضمانات عملية تمنع تكرار السلوك.
وفي المقابل، تتيح الوساطة للشخص المنسوب إليه الفعل تحمل المسؤولية بصورة عملية والمساهمة في معالجة النتائج التي ترتبت على سلوكه.
ومن هذه الزاوية، يمكن للوساطة أن تكون مكملة للصلح وليست بديلًا عنه.
سابعًا: ما الجرائم التي يمكن التفكير في إحالتها إلى الوساطة مستقبلًا؟
إذا اتجه المشرع المصري مستقبلًا إلى تنظيم الوساطة، فمن غير المناسب فتحها لجميع الجرائم دون تمييز.
وقد يكون من المنطقي البدء في نطاق محدود من الجنح التي يوجد فيها مجني عليه محدد وضرر قابل للإصلاح، ولا تنطوي طبيعتها على خطر جسيم على المجتمع أو تفاوت شديد في القوة بين أطراف النزاع.
ومن الممكن دراسة بعض المنازعات المتعلقة بالإتلاف محدود الخطورة، وبعض الاعتداءات البسيطة، وبعض المنازعات المالية التي يجيز القانون فيها الصلح أصلًا، على أن يتم تحديد الجرائم بنص واضح لا يترك المسألة للاجتهاد غير المنضبط.
أما الجرائم التي تنطوي على عنف جسيم أو استغلال أو إكراه أو تهديد مستمر للمجني عليه، فإنها تتطلب حذرًا شديدًا وقد تكون غير ملائمة للوساطة أصلًا.
ثامنًا: العنف الأسري نموذج يكشف حدود الوساطة
لا يصلح كل نزاع جنائي للتفاوض.
ففي جرائم العنف الأسري قد توجد علاقة قائمة على السيطرة أو الخوف أو الاعتماد الاقتصادي، بما يجعل من الصعب التأكد من أن موافقة المجني عليه على الوساطة صدرت بحرية حقيقية.
وتقدم التجربة الفرنسية مثالًا مهمًا في هذا المجال. فالمادة 41-1 من قانون الإجراءات الجنائية الفرنسي تجيز للنيابة العامة، في الأحوال التي يسمح بها القانون، اتخاذ تدبير الوساطة بين مرتكب الفعل والمجني عليه، لكنها تستبعد الوساطة الجنائية في حالات العنف داخل إطار الزوجية التي يشملها النص الجنائي المنظم لهذه الجرائم.
والمغزى من ذلك أن نجاح العدالة التصالحية لا يقاس بعدد القضايا التي يتم إنهاؤها، وإنما بمدى ضمان أن المشاركة آمنة وطوعية وعادلة.
تاسعًا: الضمانات الضرورية لأي تنظيم مصري للوساطة
1. الرضا الحر والمستنير
يجب ألا يدخل أي طرف الوساطة تحت ضغط، وأن يحصل مسبقًا على معلومات واضحة عن طبيعة الإجراء وآثاره وحقه في رفض المشاركة أو الانسحاب منها.
2. حماية المجني عليه
ينبغي قبل الإحالة تقييم احتمال تعرض المجني عليه للترهيب أو الانتقام أو الضغط النفسي، وعدم الاستمرار في الوساطة إذا ظهر أن العملية قد تؤدي إلى إعادة إيذائه.
3. حياد الوسيط
يجب أن يكون الوسيط مستقلًا وغير ذي مصلحة في نتيجة النزاع، وألا يتحول دوره إلى إقناع المجني عليه بالتنازل أو الضغط على المتهم للاعتراف.
4. السرية
من أهم ضمانات الوساطة أن تكون المناقشات التي تجري خلالها سرية، وألا تستخدم الأقوال أو المقترحات التي صدرت خلالها ضد أي طرف إذا فشلت الوساطة وعادت القضية إلى المسار الجنائي، إلا في الاستثناءات التي يحددها القانون.
5. الحق في الاستشارة القانونية
لا تتعارض الوساطة مع دور المحامي؛ بل قد تكون المشورة القانونية ضرورية حتى يعرف كل طرف أثر الاتفاق الذي سيوقعه، ومدى تنازله عن حقوق معينة، والنتائج الإجرائية التي ستترتب عليه.
6. التناسب
يجب ألا تتحول الوساطة إلى وسيلة يستطيع بها القادر ماليًا شراء إنهاء الملاحقة بينما يعجز عنها غير القادر. ولذلك ينبغي أن تقوم التسوية على جبر الضرر والتناسب، لا على القدرة المالية وحدها.
7. الرقابة القضائية أو النيابية
الدعوى الجنائية لا تمثل مصلحة خاصة للمجني عليه وحده، بل تتصل كذلك بحق المجتمع في حماية النظام العام. ولذلك يجب أن تظل هناك رقابة من النيابة العامة أو القضاء على مدى صلاحية القضية للوساطة ومشروعية ما تم الاتفاق عليه.
عاشرًا: ماذا نتعلم من التجارب المقارنة؟
عرفت بعض النظم القانونية الوساطة الجنائية منذ سنوات. ففي فرنسا يجيز قانون الإجراءات الجنائية للنيابة العامة، قبل اتخاذ قرارها بشأن الدعوى وفي الأحوال التي يسمح بها القانون، إحالة النزاع إلى وساطة بين مرتكب الفعل والمجني عليه إذا كان ذلك من شأنه المساهمة في إصلاح الضرر أو إنهاء الاضطراب الناتج عن الجريمة أو إعادة تأهيل مرتكبها.
كما تؤكد المعايير الأوروبية للعدالة التصالحية عددًا من المبادئ الأساسية، وفي مقدمتها أن تكون المشاركة طوعية، وأن يحصل الأطراف على معلومات كاملة قبل الموافقة، وأن يكون من حقهم سحب موافقتهم، وأن تتم العملية في إطار يحترم السرية والحياد والعدالة الإجرائية.
والاستفادة الحقيقية من التجارب المقارنة لا تكون بنقل تسمية «الوساطة» إلى التشريع المصري، وإنما ببناء الضمانات المؤسسية التي تجعلها أداة للعدالة لا مجرد طريق سريع لإغلاق الملفات.
الحادي عشر: هل تعني الوساطة الإفلات من العقاب؟
لا ينبغي تقديم الوساطة باعتبارها إلغاءً للعقوبة أو تساهلًا مع الجريمة.
فالأثر القانوني للوساطة يحدده المشرع. وقد يقرر أن نجاحها يؤدي إلى انقضاء الدعوى في فئة محدودة من الجرائم البسيطة، أو وقف الملاحقة بشروط، أو اعتبار الاتفاق سببًا يؤخذ في الاعتبار عند تحديد العقوبة في جرائم أخرى.
والقانون المصري الجديد يقدم بالفعل مثالًا على اختلاف آثار الصلح بحسب جسامة الجريمة؛ فالمادة 21 ترتب انقضاء الدعوى في الحالات التي تشملها، بينما تجعل المادة 22 الصلح سببًا لتخفيف العقوبة فقط.
ومن ثم يمكن – إذا تم تقنين الوساطة مستقبلًا – إنشاء نظام متدرج يختلف أثره باختلاف طبيعة الجريمة وخطورتها.
الثاني عشر: هل يمكن للوساطة تخفيف تكدس القضايا؟
يمكن أن تساعد الوساطة في تخفيف العبء عن النيابة العامة والمحاكم إذا استخدمت في القضايا المناسبة، لكنها لا ينبغي أن تتحول إلى مجرد أداة إدارية للتخلص من أعداد القضايا.
فإحالة آلاف الملفات إلى وسطاء غير مؤهلين قد تنقل التكدس من المحكمة إلى جهة أخرى، دون أن تحسن جودة العدالة.
والهدف الأساسي يجب أن يظل جبر الضرر وتحسين نوعية الاستجابة الجنائية، على أن تأتي سرعة الفصل وتقليل التكلفة كنتيجة إضافية وليست الغاية الوحيدة.
الثالث عشر: دور النيابة العامة في النموذج المصري المحتمل
يمكن أن تكون النيابة العامة الجهة الأنسب لاتخاذ قرار إحالة القضية إلى الوساطة، خاصة في المراحل السابقة على رفع الدعوى، متى منحها المشرع هذا الاختصاص وحدد معاييره.
لكن الأفضل أن تظل عملية الوساطة ذاتها منفصلة عن التحقيق؛ حتى لا يخشى المتهم من تحول ما يقوله أثناء التفاوض إلى دليل ضده، وحتى لا يشعر المجني عليه بأن الجهة التي تباشر التحقيق هي ذاتها التي تضغط عليه للوصول إلى تسوية.
ويمكن – في النموذج المحتمل – أن تحيل النيابة القضية إلى وسيط أو مركز معتمد، ثم تعود النتيجة إليها لاتخاذ الأثر الذي يقرره القانون.
الرابع عشر: من هو الوسيط الجنائي؟
الوساطة ليست مجرد جلسة تفاوض عادية، ولذلك لا يكفي أن يكون الوسيط محاميًا أو قاضيًا سابقًا أو متخصصًا اجتماعيًا.
فالوسيط الجنائي يحتاج إلى تأهيل خاص في إدارة النزاعات، والتفاوض، والتعامل مع ضحايا الجرائم، وفهم الضمانات الجنائية، واكتشاف اختلال موازين القوة بين الأطراف.
وإذا تم تقنين الوساطة، فمن المناسب إنشاء سجل رسمي للوسطاء المعتمدين، ووضع شروط للتدريب والتأهيل المستمر، وقواعد للمساءلة المهنية، وتضارب المصالح، والمحافظة على السرية.
الخامس عشر: ماذا يعني ذلك للمحامين ومكاتب المحاماة؟
حتى سبتمبر 2026، لا يوجد في قانون الإجراءات الجنائية المصري نظام عام للوساطة الجنائية يخول مراكز أو مكاتب خاصة مباشرة «وساطة جنائية قضائية» بوصفها مسارًا رسميًا معتمدًا من القانون.
لكن الاتجاه الذي يعكسه القانون الجديد في تنظيم الصلح والتصالح يجعل مهارات التفاوض وتسوية المنازعات الجنائية وجبر الضرر أكثر أهمية للمحامي خلال المرحلة المقبلة.
ومن المفيد لمكاتب المحاماة تطوير خبراتها في التفرقة بين الصلح والتصالح والوساطة، ودراسة المواد 20 إلى 23 من القانون الجديد، وتنمية مهارات التفاوض، وفهم أثر كل اتفاق على الدعوى الجنائية والحقوق المدنية.
وفي الوقت ذاته، يجب عدم تقديم الوساطة للجمهور باعتبارها إجراءً جنائيًا رسميًا قائمًا حاليًا، أو إعطاء العميل وعدًا بانقضاء الدعوى لمجرد الوصول إلى تسوية، إلا إذا كان القانون يرتب هذا الأثر على الصلح أو التصالح في الجريمة محل النزاع.
السادس عشر: رؤية مقترحة لمستقبل الوساطة الجنائية في مصر
يمكن أن تكون الخطوة المستقبلية المناسبة هي دراسة إنشاء نظام تجريبي للوساطة الجنائية في نطاق محدود، بدلًا من تطبيقها دفعة واحدة على نطاق واسع.
وقد يبدأ النظام بمجموعة مختارة من الجنح القابلة للصلح، وتكون الإحالة من النيابة العامة، وتتم الوساطة أمام وسيط معتمد، وبموافقة صريحة وحرة من الطرفين، مع ضمان السرية وحق كل طرف في الاستعانة بمحام.
ثم يتم تقييم التجربة وفق معايير واضحة، منها مدى تنفيذ الاتفاقات، ورضا المجني عليهم، ونسب تكرار الجريمة، وسرعة التسوية، ومدى احترام حقوق الدفاع وضمانات المحاكمة العادلة.
فالتدرج في التطبيق أكثر أمانًا من إنشاء نظام واسع قبل تكوين البنية المؤسسية والكوادر المؤهلة والضمانات التي تحميه من التحول إلى وسيلة للضغط على المجني عليهم أو المتهمين.
خاتمة
يمثل قانون الإجراءات الجنائية رقم 174 لسنة 2025 مرحلة مهمة في تطوير السياسة الإجرائية الجنائية المصرية، ويكشف تنظيمه للصلح والتصالح عن حضور متزايد لفكرة إنهاء بعض المنازعات الجنائية بوسائل لا تقوم على المحاكمة والعقوبة وحدهما.
ومع ذلك، لم ينشئ القانون حتى الآن نظامًا عامًا للوساطة الجنائية بالمعنى المعروف في تجارب العدالة التصالحية المقارنة.
وهذه المسألة لا ينبغي معالجتها على عجل؛ فالوساطة الجنائية لا تنجح بمجرد إضافة مادة تحمل هذا الاسم إلى قانون الإجراءات، وإنما تحتاج إلى تحديد دقيق لنطاق الجرائم، وحماية المجني عليه والمتهم، ووسطاء مؤهلين، وسرية حقيقية، ورقابة قضائية أو نيابية واضحة على النتائج.
كما أن العدالة التصالحية لا تعني استبدال المحاكمة في كل قضية، ولا تحويل الجريمة إلى نزاع خاص بين شخصين؛ فهناك جرائم تمس مصالح المجتمع على نحو يجعل الملاحقة والعقاب أمرًا لا يجوز تركه بالكامل لإرادة الأطراف.
والتحدي الحقيقي هو الوصول إلى صيغة تجمع بين حق المجتمع في المحاسبة، وحق المجني عليه في الحماية وجبر الضرر، وحق المتهم في ضمانات المحاكمة العادلة، وإمكان إنهاء النزاع بطريق تصالحي عندما يكون ذلك أكثر فاعلية وعدالة.
ومن هنا، فإن مستقبل الوساطة الجنائية في مصر لا ينبغي أن يقوم على اعتبارها «بديلًا للعقوبة» بصورة مطلقة، وإنما على مفهوم أكثر دقة: أداة إضافية من أدوات العدالة تستخدم في القضايا المناسبة عندما تكون قادرة على إصلاح الضرر دون التفريط في حق المجتمع أو ضمانات أطراف الدعوى.
ونصيحتي لزملائي ومكاتب المحاماة: إن الاتجاه إلى العدالة التصالحية يتوسع في السياسة الجنائية المعاصرة، لكن الاستعداد له يبدأ بفهم القانون القائم. ادرسوا بدقة أحكام الصلح والتصالح في قانون الإجراءات الجنائية الجديد، وطوّروا مهارات التفاوض وجبر الضرر، وتابعوا أي تنظيم تشريعي لاحق للوساطة قبل تقديمها للجمهور باعتبارها إجراءً جنائيًا رسميًا.
كتابة وإعداد: الدكتور مصطفى الروبي