السبت إلى الخميس، 9:00 صباحًا - 6:00 مساءً

الرؤى القانونية

حماية الملكية الفكرية فريضة لتعزيز الإبداع والابتكار 

مقدمة

تُعد حقوق الملكية الفكرية أحد الأسس التي تقوم عليها الاقتصادات الحديثة؛ فالإبداع لا يتحول إلى قيمة اقتصادية حقيقية ما لم يجد نظامًا قانونيًا يحمي صاحبه، ويمنحه القدرة على استثمار ما أبدعه، ويمنع الغير من الاستيلاء عليه أو استغلاله دون سند.

وحماية الملكية الفكرية لا تخدم المؤلف أو المخترع وحده. فهي تمنح المستثمر قدرًا أكبر من الثقة في تمويل المشروعات القائمة على المعرفة، وتشجع الجامعات ومراكز البحوث والشركات على ضخ الأموال في البحث والتطوير، كما تحافظ على السمعة التجارية للمنتجات والعلامات وتدعم المنافسة المشروعة.

ولهذا خصصت الدولة المصرية إطارًا تشريعيًا متكاملًا لحماية حقوق الملكية الفكرية، ثم انتقلت خلال السنوات الأخيرة إلى مرحلة أكثر شمولًا مع إطلاق الاستراتيجية الوطنية للملكية الفكرية وإنشاء جهاز وطني موحد لإدارة هذا الملف.

وسبق أن تناول الدكتور مصطفى الروبي هذا الموضوع في مقاله المنشور بتاريخ 17 أغسطس 2025 تحت عنوان «قانون الملكية الفكرية وتعزيز الإبداع والابتكار في مصر»، متناولًا الأسس القانونية والتنظيمية التي تقوم عليها الحماية، وأثرها في دعم المبدعين ورواد الأعمال وجذب الاستثمار.

ويأتي هذا المقال امتدادًا لذلك الطرح، مع التركيز بصورة أكثر تفصيلًا على التطورات المؤسسية الحديثة، وعلى العلاقة المباشرة بين حماية الحقوق الفكرية والاقتصاد القائم على المعرفة.

الإطار القانوني للملكية الفكرية في مصر

يمثل قانون حماية حقوق الملكية الفكرية رقم 82 لسنة 2002 التشريع الأساسي المنظم للملكية الفكرية في مصر، وهو قانون واسع النطاق لا يقتصر على العلامات التجارية أو حقوق المؤلف، بل يضم منظومة متكاملة من صور الحماية.

ويشمل القانون، من بين أمور أخرى:

  • براءات الاختراع ونماذج المنفعة.
  • التصميمات التخطيطية للدوائر المتكاملة.
  • المعلومات غير المفصح عنها.
  • العلامات التجارية والمؤشرات الجغرافية.
  • التصميمات والنماذج الصناعية.
  • حقوق المؤلف والحقوق المجاورة.
  • حماية الأصناف النباتية.

وهذا التنوع مهم؛ لأن الملكية الفكرية ليست حقًا واحدًا. فقد يحتاج المشروع نفسه إلى أكثر من وسيلة للحماية: علامة تجارية لحماية اسمه، وبراءة لحماية اختراع تقني، وحق مؤلف لحماية البرنامج أو المحتوى، واتفاقات سرية للمحافظة على المعلومات الفنية والتجارية غير المعلنة.

حقوق المؤلف والحقوق المجاورة

يحمي القانون المصري المصنفات الأدبية والفنية والبرامج الحاسوبية وقواعد البيانات وغيرها من صور الإنتاج الفكري التي تتوافر فيها شروط الحماية.

ويتمتع المؤلف بحقوق أدبية ومالية. فالحقوق الأدبية، ومنها الحق في نسبة المصنف إلى صاحبه والاعتراض على تشويهه أو تحريفه، تتمتع بطبيعة قوية ولا يجوز التصرف فيها على النحو الذي يؤدي إلى إسقاطها.

أما الحقوق المالية فتمنح المؤلف أو صاحب الحق سلطة الترخيص باستغلال المصنف أو منع استغلاله بوسائل متعددة، ومنها النسخ والنشر والتوزيع والأداء العلني والإتاحة عبر الإنترنت وغيرها من صور الاستغلال التي نظمها القانون.

ومن المهم تصحيح اعتقاد شائع في هذا المجال: مدة الحماية الأصلية للحقوق المالية للمؤلف في القانون المصري هي مدة حياة المؤلف وخمسون سنة تبدأ من تاريخ وفاته، وليست سبعين سنة. وتوجد قواعد خاصة لاحتساب مدة الحماية بالنسبة لبعض أنواع المصنفات، مثل المصنفات المشتركة والجماعية والمجهولة المؤلف ومصنفات الفن التطبيقي.

كما قرر القانون حماية للحقوق المجاورة، ومن بينها حقوق فناني الأداء ومنتجي التسجيلات الصوتية وهيئات البث.

البرمجيات ليست مجرد «كود»

تكتسب حقوق المؤلف أهمية خاصة بالنسبة للشركات التكنولوجية؛ لأن برامج الحاسب تدخل ضمن المصنفات التي يحميها القانون.

لكن الخطر العملي يظهر عندما تطور الشركة برنامجها من خلال موظفين أو مستقلين دون أن تحدد العقود بصورة دقيقة ملكية الأكواد وحقوق الاستغلال والتعديل والتطوير.

وقد تنفق الشركة مبالغ كبيرة على تطوير تطبيق ثم تظهر، عند دخول مستثمر أو إجراء فحص قانوني، مشكلة حول ملكية أجزاء من الكود أو التصميم أو المحتوى. ولهذا فإن حماية البرنامج لا تبدأ عند وقوع التقليد، بل تبدأ من العقد الذي ينظم عملية تطويره وملكية الحقوق الناتجة عنها.

براءات الاختراع ونماذج المنفعة

تحمي براءة الاختراع الابتكار التقني إذا توافرت فيه الشروط التي حددها القانون، وفي مقدمتها الجدة والخطوة الإبداعية والقابلية للتطبيق الصناعي.

وتبلغ مدة حماية براءة الاختراع في مصر عشرين سنة من تاريخ تقديم طلب البراءة، بشرط استمرار استيفاء الالتزامات القانونية المقررة.

ولا تمنح البراءة لمجرد وجود فكرة جيدة؛ فالفكرة يجب أن تتحول إلى اختراع تتوافر فيه الشروط الموضوعية التي يحددها القانون، كما يتعين الإفصاح عن الاختراع بصورة تسمح بفهمه وتنفيذه وفقًا للقواعد المنظمة لطلب البراءة.

وهنا يقوم النظام على معادلة دقيقة: يمنح القانون المخترع احتكارًا قانونيًا مؤقتًا لاستغلال اختراعه، وفي المقابل يكشف المخترع عن المعرفة التقنية التي يقوم عليها الاختراع، بحيث تنتقل في النهاية إلى المجال العام بعد انتهاء مدة الحماية.

أما نموذج المنفعة فيوفر حماية لبعض الإضافات الفنية الجديدة وفق شروطه القانونية، وتبلغ مدة حمايته في القانون المصري سبع سنوات غير قابلة للتجديد من تاريخ تقديم الطلب.

العلامات التجارية… حماية الاسم والسمعة

قد تكون العلامة التجارية في بعض الشركات أهم من الأصول المادية ذاتها. فالاسم والشعار وما يرتبط بهما من ثقة العملاء وسمعة المنتج يمثلان قيمة اقتصادية يمكن أن تتزايد بمرور الوقت.

ويوفر التسجيل حماية قانونية للعلامة بالنسبة إلى السلع أو الخدمات التي سُجلت من أجلها، متى استوفيت الشروط التي يقررها القانون.

وتبلغ مدة الحماية المترتبة على تسجيل العلامة التجارية عشر سنوات، ويجوز تجديدها لمدد مماثلة وفق الإجراءات القانونية.

ولهذا فإن استخدام اسم تجاري لسنوات قبل التفكير في تسجيل علامته يحمل مخاطرة حقيقية. فقد تظهر علامة سابقة متعارضة، أو يسعى طرف آخر إلى تسجيل الاسم، بما يضع المشروع أمام نزاع كان يمكن تفاديه بإجراء بحث قانوني مبكر ثم اتخاذ إجراءات التسجيل.

المؤشرات الجغرافية والتصميمات الصناعية

لا تتوقف منظومة الحماية عند الاختراع أو العلامة. فالقانون يحمي كذلك المؤشرات الجغرافية التي ترتبط منتجاتها بمنشأ جغرافي يمنحها خصائص أو سمعة معينة، كما يوفر حماية للتصميمات والنماذج الصناعية التي تمنح المنتج مظهره الخارجي المميز.

وتزداد أهمية هذه الحقوق في الصناعات الغذائية والحرفية والزراعية والأثاث والمنسوجات والتعبئة والتغليف وغيرها من القطاعات التي تشكل فيها هوية المنتج وتصميمه جزءًا رئيسيًا من قيمته التجارية.

الفكرة وحدها لا تتمتع دائمًا بالحماية

ومن أكثر المسائل التي تحتاج إلى توعية قانونية أن الفكرة المجردة ليست في ذاتها محل حماية بحق المؤلف. فالقانون يحمي التعبير المبتكر عن الفكرة عندما يتحول إلى مصنف، ولا يمنح احتكارًا عامًا لكل تصور أو مفهوم يخطر لصاحبه.

ولهذا فإن صاحب المشروع الذي يريد الإفصاح عن فكرة تجارية أو تقنية لمستثمر أو مطور أو شريك محتمل قد يحتاج إلى وسائل أخرى للحماية، مثل اتفاقيات عدم الإفصاح، وتنظيم سرية المعلومات، وتوثيق مراحل التطوير، ودراسة إمكانية حماية الجانب التقني ببراءة أو نموذج منفعة إذا توافرت شروط ذلك.

العقوبات على الاعتداء على حقوق الملكية الفكرية

لم يكتف المشرع بإقرار حقوق نظرية لأصحاب المصنفات، بل وضع آليات مدنية وتحفظية وجنائية لمواجهة الاعتداء.

وفي مجال حقوق المؤلف والحقوق المجاورة، نظم القانون صورًا متعددة من الجرائم، من بينها تداول أو استغلال بعض المصنفات المحمية دون تصريح، والتقليد، والنشر غير المشروع عبر شبكات المعلومات والإنترنت، والاعتداء على وسائل الحماية التقنية.

ونص القانون على عقوبات تشمل الحبس والغرامة بحسب الجريمة، مع تشديد العقوبة في حالة العود، كما أجاز اتخاذ إجراءات تتعلق بمصادرة النسخ محل الاعتداء والأدوات المستخدمة في ارتكابه، فضلًا عن إمكان إغلاق المنشأة في الحالات التي يحددها القانون ونشر ملخص الحكم.

ويظل لصاحب الحق، إلى جانب المسار الجنائي متى توافرت أركانه، المطالبة بالتعويض عن الضرر الذي لحق به وفق القواعد القانونية.

الإنفاذ هو الاختبار الحقيقي للحماية

وجود قانون متكامل لا يعني أن المشكلة انتهت. فالقيمة الفعلية لأي نظام للملكية الفكرية تقاس بقدرته على اكتشاف الاعتداء ووقفه والفصل في النزاع خلال مدة معقولة.

وتواجه مصر، مثل كثير من الأسواق، تحديات تتعلق بالسلع المقلدة والقرصنة الرقمية والبرمجيات غير المرخصة، إلى جانب ضعف الوعي لدى بعض الأفراد والمنشآت بطبيعة حقوق الملكية الفكرية.

كما أن كثيرًا من المنازعات يجمع بين القانون والفن؛ فالفصل في تقليد برنامج أو اختراع أو تصميم صناعي قد يتطلب خبرة تقنية متخصصة إلى جانب الخبرة القانونية. ولذلك تزداد أهمية تدريب جهات الإنفاذ والخبراء والقضاة على التطورات الفنية المتسارعة.

الاعتداءات الرقمية غيرت طبيعة المشكلة

أصبحت شبكة الإنترنت قادرة على نقل نسخة واحدة من المصنف إلى آلاف المستخدمين خلال دقائق. ولذلك اختلفت طبيعة الاعتداء على الملكية الفكرية عما كانت عليه في عصر النسخ المادي وحده.

وتشمل المخاطر الحالية القرصنة الرقمية، وإعادة نشر المحتوى دون ترخيص، وتسريب البرمجيات، والبث غير المشروع، وتقليد العلامات عبر المتاجر الإلكترونية وحسابات التواصل الاجتماعي.

وهذا يفرض الجمع بين القانون والتقنية؛ لأن إثبات الاعتداء الرقمي يحتاج إلى حفظ الأدلة الإلكترونية بصورة صحيحة، وتحديد مصدر الانتهاك، واتخاذ الإجراءات بالسرعة اللازمة قبل حذف المحتوى أو تغيير البيانات.

الاستراتيجية الوطنية للملكية الفكرية 2022–2027

أطلقت مصر في سبتمبر 2022 الاستراتيجية الوطنية للملكية الفكرية للفترة من 2022 إلى 2027، في خطوة هدفت إلى الانتقال من معالجة حقوق الملكية الفكرية بصورة قطاعية إلى سياسة وطنية متكاملة تربط الحماية بالتنمية الاقتصادية والبحث العلمي والابتكار.

وتقوم الاستراتيجية على أربعة محاور رئيسية:

  • حوكمة البنية المؤسسية للملكية الفكرية وتنسيق الجهات المعنية بها.
  • تهيئة البيئة التشريعية بما يسمح بمواكبة التطورات الاقتصادية والتكنولوجية.
  • تفعيل المردود الاقتصادي للملكية الفكرية وربطها بالتنمية والاستثمار والابتكار.
  • رفع الوعي المجتمعي ونشر ثقافة احترام حقوق الملكية الفكرية.

وأهمية هذه الاستراتيجية أنها تنظر إلى الملكية الفكرية باعتبارها أصلًا اقتصاديًا، لا مجرد وسيلة للجوء إلى القضاء بعد حدوث التقليد.

الجهاز المصري للملكية الفكرية… انتقال إلى إدارة مؤسسية موحدة

ومن أهم نتائج هذا التوجه صدور القانون رقم 163 لسنة 2023 بإنشاء الجهاز المصري للملكية الفكرية.

والتسمية القانونية الدقيقة هي «الجهاز المصري للملكية الفكرية»، وهو هيئة عامة تتبع رئيس مجلس الوزراء، وقد أنشئ بهدف توحيد إدارة ملف الملكية الفكرية الذي كانت اختصاصاته موزعة بين عدد من الوزارات والهيئات والمكاتب.

ويحل الجهاز، وفقًا للمراحل والإجراءات التي نظمها القانون، محل الجهات السابقة في الاختصاصات المتعلقة بحماية ورعاية حقوق الملكية الفكرية، ومن بينها الاختصاصات المتصلة بالبراءات والعلامات التجارية وحقوق المؤلف والأصناف النباتية وغيرها.

ويمثل هذا التحول أحد أهم الإصلاحات المؤسسية في المنظومة المصرية؛ لأن وجود جهة وطنية مركزية يساعد على توحيد السياسات، وربط قواعد البيانات، وتحسين التنسيق، وتقليل التشتت الإداري الذي كان يواجه أصحاب الحقوق.

ما المطلوب من الجهاز في المرحلة المقبلة؟

إن نجاح الجهاز لن يُقاس بمجرد نقل الملفات والاختصاصات إليه. الاختبار الأهم هو مدى قدرته على تحويل الملكية الفكرية إلى خدمة قانونية واقتصادية أكثر سرعة ووضوحًا.

ويستلزم ذلك عدة أمور، من بينها:

  • استكمال التحول الرقمي لخدمات التسجيل والفحص والمتابعة.
  • إنشاء قواعد بيانات حديثة ومترابطة لمختلف حقوق الملكية الفكرية.
  • تقليل المدد الإجرائية دون الإخلال بجودة الفحص.
  • تعزيز التعاون مع الجامعات ومراكز البحث والشركات الناشئة.
  • تطوير قدرات تقييم وتسويق الأصول الفكرية.
  • تعزيز التعاون مع المنظمة العالمية للملكية الفكرية والجهات الدولية المتخصصة.
  • رفع الوعي القانوني لدى الشركات والمبدعين والباحثين.

الملكية الفكرية أصل اقتصادي وليست مجرد شهادة تسجيل

من الأخطاء الشائعة التعامل مع تسجيل البراءة أو العلامة باعتباره نهاية المهمة. الحقيقة أن التسجيل هو بداية مرحلة إدارة الأصل الفكري.

فالعلامة يمكن ترخيص استخدامها، والبراءة يمكن استغلالها أو الترخيص بها، والبرمجيات يمكن أن تدخل ضمن اتفاقيات تجارية واستثمارية، كما يمكن أن تمثل محفظة الحقوق الفكرية عنصرًا مؤثرًا في تقييم الشركات أثناء جولات الاستثمار أو الاندماج والاستحواذ.

ومن هنا يجب على الشركات أن تنشئ سجلًا واضحًا لأصولها الفكرية، يتضمن صاحب الحق، وتاريخ التسجيل أو الإيداع، ومدته، والدول التي يشملها، والعقود المرتبطة به، ومواعيد التجديد.

فالحقوق الفكرية التي لا تُدار جيدًا قد تفقد جزءًا من قيمتها حتى لو كانت مسجلة قانونًا.

الشركات الناشئة الأكثر احتياجًا للحماية المبكرة

تزداد أهمية هذه المسألة بالنسبة للشركات الناشئة؛ لأن نسبة كبيرة من قيمتها قد تكون غير مادية. فقد لا تمتلك الشركة مصنعًا أو أصولًا عقارية، بينما تتمثل قيمتها الحقيقية في برنامج أو خوارزمية أو علامة تجارية أو قاعدة بيانات أو تقنية مبتكرة.

ولهذا يجب أن تبدأ استراتيجية الملكية الفكرية بالتوازي مع تأسيس الشركة، وتشمل تحديد ما يجب تسجيله، وما يجب إبقاؤه سريًا، ومن يملك ما يطوره الموظفون والمتعاقدون، وكيف يُسمح للغير باستخدام التكنولوجيا.

وتظهر أهمية ذلك بصورة واضحة أثناء الفحص القانوني النافي للجهالة (Legal Due Diligence). فالمستثمر يريد أن يتأكد من أن الشركة تملك بالفعل التكنولوجيا أو العلامة التي تقوم عليها قيمتها، لا أن تكون هذه الحقوق مسجلة أو محتفظًا بها باسم مؤسس أو مطور مستقل.

الذكاء الاصطناعي يفتح أسئلة قانونية جديدة

يضع الانتشار السريع للذكاء الاصطناعي المنظومات القانونية أمام أسئلة لم تكن مطروحة بالصورة الحالية عند صدور قانون الملكية الفكرية سنة 2002.

ومن أهمها تحديد نطاق الحماية للأعمال التي تدخل أدوات الذكاء الاصطناعي في إنتاجها، ومدى مساهمة الإنسان اللازمة لاعتبار العمل مصنفًا يحظى بالحماية، ومسؤولية استخدام مواد محمية في تطوير الأنظمة، وحقوق أصحاب البيانات والمحتوى.

ولا يصح اختزال هذه القضايا في سؤال واحد عن «ملكية ما ينتجه الذكاء الاصطناعي». فكل حالة تحتاج إلى النظر في دور المستخدم البشري، وطبيعة المدخلات، وشروط استخدام النظام، ومصدر البيانات، ومدى وجود عنصر إبداع بشري يمكن نسبته إلى شخص محدد.

ولهذا ستكون مواكبة الذكاء الاصطناعي من الملفات التي تحتاج إلى تطوير تشريعي وتنظيمي مستمر، لا في مصر وحدها وإنما على المستوى الدولي.

العقود هي خط الدفاع الأول

التسجيل مهم، لكنه لا يغني عن العقد.

ففي كثير من الحالات يبدأ النزاع من علاقة داخلية لا من مقلد خارجي: شريك يغادر الشركة ومعه الكود البرمجي، أو مصمم يدعي ملكية العلامة، أو موظف يستخدم قاعدة بيانات العملاء بعد انتهاء عمله، أو مطور يحتفظ بحقوق الاستغلال لأن العقد لم ينظم انتقالها بصورة صحيحة.

ولهذا يجب أن تتكامل حماية الملكية الفكرية مع:

  • عقود نقل وترخيص حقوق الملكية الفكرية.
  • اتفاقيات عدم الإفصاح والسرية.
  • عقود الموظفين والمطورين والمستقلين.
  • اتفاقيات الترخيص التجاري والتكنولوجي.
  • سياسات حماية الأسرار التجارية والمعلومات السرية.

التحكيم والوساطة في منازعات الملكية الفكرية

ليست كل منازعات الملكية الفكرية بحاجة إلى مسار قضائي طويل، خصوصًا عندما يكون النزاع تعاقديًا أو دوليًا ويتعلق بترخيص التكنولوجيا أو استغلال العلامات أو البرامج.

وقد نظم قانون حماية حقوق الملكية الفكرية ذاته إمكانية الاتفاق على التحكيم في بعض المنازعات الخاضعة لأحكامه، مع تطبيق قانون التحكيم في المواد المدنية والتجارية متى اتفق الأطراف على ذلك.

كما يمكن أن تكون الوساطة والتسوية التفاوضية مناسبة في بعض النزاعات، خصوصًا إذا كان الهدف استمرار العلاقة التجارية بدل إنهائها.

دور مكتب الدكتور مصطفى الروبي في دعم المبدعين والشركات

يرى مكتب الدكتور مصطفى الروبي – محامون ومستشارون أن حماية الملكية الفكرية لا ينبغي أن تبدأ بعد وقوع الاعتداء، بل منذ اللحظة التي تتحول فيها الفكرة إلى مشروع قابل للاستغلال.

ويشمل ذلك دراسة نوع الحماية المناسب، ومراجعة قابلية العلامة أو الاختراع للتسجيل، وتنظيم ملكية التكنولوجيا بين الشركاء، وصياغة عقود الترخيص والسرية، ومتابعة إجراءات التسجيل، واتخاذ الإجراءات القانونية عند وقوع الاعتداء.

كما تزداد أهمية بناء استراتيجية خاصة للملكية الفكرية بالنسبة إلى الشركات الناشئة والمشروعات التكنولوجية، بحيث تصبح حماية الأصول الفكرية جزءًا من خطة الاستثمار والنمو، لا مجرد إجراء إداري مستقل.

توصيات لتعزيز منظومة الحماية

إن تطوير نظام الملكية الفكرية في مصر خلال المرحلة المقبلة يتطلب التركيز على الجانب العملي بقدر التركيز على التشريع. ومن أهم الأولويات:

  • استكمال رقمنة جميع إجراءات التسجيل والفحص والتجديد.
  • تقصير مدد الفصل في الطلبات والمنازعات قدر الإمكان.
  • دعم الشركات الصغيرة والباحثين في إجراءات حماية ابتكاراتهم.
  • توسيع برامج التوعية في الجامعات والمدارس وحاضنات الأعمال.
  • رفع كفاءة الجهات الفنية والقانونية المختصة بإنفاذ الحقوق.
  • مواجهة الاعتداءات الرقمية بوسائل أكثر سرعة وفاعلية.
  • تعزيز تقييم وتسويق وترخيص الأصول الفكرية بدل الاكتفاء بتسجيلها.
  • مواكبة التطورات المرتبطة بالذكاء الاصطناعي والبيانات والاقتصاد الرقمي.

الخاتمة

إن حماية الملكية الفكرية ليست ترفًا تشريعيًا، ولا مصلحة تخص المؤلف أو المخترع وحده، وإنما هي جزء من البنية الاقتصادية للدولة.

فالمجتمع الذي لا يحمي الإبداع يضعف الحافز على إنتاجه، والمستثمر الذي لا يثق في قدرة القانون على حماية التكنولوجيا أو العلامة لن يخاطر برأس ماله بسهولة، والشركة التي لا تعرف قيمة أصولها الفكرية قد تفقد أهم ما تملكه دون أن تدرك ذلك.

وقد قطعت مصر خطوات مهمة بإطلاق الاستراتيجية الوطنية للملكية الفكرية وإنشاء الجهاز المصري للملكية الفكرية، لكن المرحلة المقبلة تتطلب أن تتحول هذه الإصلاحات إلى نتائج يلمسها صاحب الحق في سرعة التسجيل، وكفاءة الإنفاذ، وسهولة الاستثمار في الأصول الفكرية.

ومن هنا فإن حماية الملكية الفكرية تصبح بالفعل فريضة لتعزيز الإبداع والابتكار؛ لأنها تحمي المعرفة حين تُنتج، وتمنحها قيمة حين تُستثمر، وتضمن أن يعود جانب من ثمرة الإبداع إلى من صنعه.

ويمكن الاطلاع على المقال السابق للدكتور مصطفى الروبي المنشور بتاريخ 17 أغسطس 2025 حول الموضوع نفسه من خلال هذا الرابط.