السبت إلى الخميس، 9:00 صباحًا - 6:00 مساءً

الرؤى القانونية

دكتور مصطفى الروبى : مستقبل التكنولوجيا المالية في مصر (FinTech)كيف تستفيد الشركات الناشئة من التحول الرقمي

بقلم: الدكتور مصطفى الروبي

تشهد مصر خلال السنوات الأخيرة تحولًا رقميًا متسارعًا في القطاع المالي، مدفوعًا بتطور البيئة التشريعية، وتغير سلوك المستهلكين، وتنامي دور الشركات الناشئة في تقديم حلول مبتكرة للخدمات المالية. وقد أصبحت التكنولوجيا المالية (FinTech) أحد المحركات الرئيسية لهذا التحول، لما توفره من أدوات رقمية تسهم في تسهيل المعاملات، وخفض تكلفتها، وتعزيز الشمول المالي، وفتح مجالات استثمارية جديدة أمام رواد الأعمال.

ولم يعد أثر التكنولوجيا المالية مقصورًا على البنوك أو المؤسسات المالية الكبرى. فالشركات الناشئة نفسها أصبحت تعتمد بصورة متزايدة على المدفوعات الرقمية، والتحصيل الإلكتروني، وإدارة التدفقات النقدية، والتحقق الرقمي من العملاء، وتحليل البيانات، وغيرها من الحلول التي تسمح لها بالنمو والوصول إلى شرائح أوسع من العملاء بكفاءة أكبر.

ما المقصود بالتكنولوجيا المالية FinTech؟

تُعرَّف التكنولوجيا المالية بأنها توظيف التقنيات والحلول الرقمية الحديثة في تقديم أو تطوير الخدمات المالية، مثل المدفوعات والتحويلات الرقمية، والتمويل والإقراض الإلكتروني، والتأمين الرقمي، وإدارة الاستثمارات، وغيرها من الخدمات التي كان تقديمها يعتمد تاريخيًا على النماذج التقليدية.

وتكمن أهميتها في قدرتها على تحقيق السرعة والكفاءة وخفض التكاليف، إلى جانب تنشيط حركة التجارة وتسهيل وصول الأفراد والشركات إلى الخدمات المالية. وقد انعكس هذا الاتجاه بوضوح على السوق المصري، الذي أصبح أكثر تقبلًا للمحافظ الإلكترونية، والتطبيقات المصرفية، ومنصات الدفع والتحصيل الإلكتروني، سواء في التعاملات الفردية أو التجارية.

لكن ثمة نقطة قانونية يجب الانتباه إليها منذ البداية: استخدام التكنولوجيا في نشاط مالي لا يعني أن النشاط أصبح خارج نطاق التنظيم والرقابة. فهناك فرق بين شركة تقدم برنامجًا تقنيًا لمؤسسة مالية، وبين شركة تقدم بنفسها خدمة مالية منظمة للجمهور. وفي الحالة الثانية قد يكون الحصول على ترخيص أو موافقة من الجهة الرقابية المختصة شرطًا سابقًا لمزاولة النشاط.

الإطار التشريعي للتكنولوجيا المالية في مصر

لم يكن التطور الذي يشهده القطاع بمعزل عن التشريع. فقد عمل المشرع المصري والجهات الرقابية خلال السنوات الأخيرة على بناء إطار قانوني يسمح بالابتكار، وفي الوقت ذاته يحمي المتعاملين ويحافظ على استقرار الأسواق المالية.

أولًا: قانون تنظيم استخدام وسائل الدفع غير النقدي رقم 18 لسنة 2019

شكّل قانون تنظيم استخدام وسائل الدفع غير النقدي رقم 18 لسنة 2019 إحدى الخطوات المهمة نحو تقليل الاعتماد على التعامل النقدي، إذ ألزم فئات وجهات معينة باستخدام وسائل الدفع غير النقدي في الحالات التي حددها القانون، وأسهم بذلك في توسيع الاعتماد على المدفوعات الإلكترونية وتعزيز مسار الاقتصاد الرقمي.

ولا تقتصر أهمية ذلك بالنسبة للشركات الناشئة على وسيلة تحصيل الأموال فقط، بل تمتد إلى بناء دورة مالية أكثر وضوحًا وقابلية للتتبع، وهو أمر يكتسب أهمية خاصة عند إعداد الحسابات، أو التعامل مع المستثمرين، أو التوسع في النشاط.

ثانيًا: قانون البنك المركزي والجهاز المصرفي رقم 194 لسنة 2020

يمثل قانون البنك المركزي والجهاز المصرفي رقم 194 لسنة 2020 أحد أهم التشريعات المرتبطة بالتطور المالي الرقمي في مصر، إذ نظم بصورة أكثر شمولًا نظم وخدمات الدفع، وأتاح إطارًا رقابيًا يتلاءم مع التطور التكنولوجي المتسارع في القطاع المصرفي.

وفي هذا السياق، يلعب البنك المركزي المصري دورًا محوريًا في تنظيم الابتكار المرتبط بالخدمات المصرفية ونظم وخدمات الدفع، كما يعمل المختبر التنظيمي للتكنولوجيا المالية (Regulatory Sandbox) على إتاحة مساحة لاختبار بعض الحلول المالية المبتكرة في بيئة رقابية محددة قبل تقديمها على نطاق واسع، بما يساعد على تحقيق التوازن بين الابتكار وحماية العملاء والاستقرار المالي.

وتبرز هنا فرصة مهمة للشركات الناشئة: ليس مطلوبًا دائمًا أن تتحول الشركة التقنية إلى مؤسسة مالية بنفسها؛ فقد يكون نموذجها الأكثر كفاءة هو تطوير التكنولوجيا ثم تقديمها أو دمجها مع بنك أو جهة مالية مرخصة، وفق الإطار القانوني المناسب.

ثالثًا: قانون حماية البيانات الشخصية رقم 151 لسنة 2020

تقوم نماذج عديدة من التكنولوجيا المالية على جمع البيانات وتحليلها واستخدامها في تقديم الخدمة، وتقييم المخاطر، والتحقق من العملاء، وتخصيص المنتجات المالية. ولهذا جاء قانون حماية البيانات الشخصية رقم 151 لسنة 2020 ليضع إطارًا قانونيًا لمعالجة البيانات الشخصية إلكترونيًا وحمايتها.

وتظهر أهمية هذا القانون بصورة خاصة بالنسبة لشركات FinTech؛ لأن البيانات ليست مجرد مورد تقني لديها، بل قد تكون أحد أهم أصول المشروع وأكثرها حساسية في الوقت ذاته.

ومن ثم، فإن تصميم التطبيق أو المنصة يجب ألا يقتصر على الجانب البرمجي. ينبغي التفكير منذ البداية في سياسة الخصوصية، والأساس القانوني لجمع البيانات، ونطاق استخدامها، والجهات التي يمكن مشاركتها معها، وكيفية تخزينها وتأمينها، فضلًا عن التعامل مع طلبات أصحاب البيانات وفقًا للقواعد القانونية المنظمة.

رابعًا: قانون تنظيم وتنمية استخدام التكنولوجيا المالية رقم 5 لسنة 2022

وعلى مستوى الأنشطة المالية غير المصرفية، جاء القانون رقم 5 لسنة 2022 بشأن تنظيم وتنمية استخدام التكنولوجيا المالية في الأنشطة المالية غير المصرفية ليمنح الهيئة العامة للرقابة المالية إطارًا قانونيًا لتنظيم استخدام التكنولوجيا في الأنشطة الخاضعة لرقابتها.

ويشمل ذلك استخدام الحلول الرقمية في عدد من مجالات التمويل والتأمين والاستثمار والأنشطة المالية غير المصرفية، وفقًا للقوانين المنظمة لكل نشاط والقرارات والضوابط التي تصدرها الهيئة.

والأهمية الحقيقية لهذا القانون بالنسبة للشركات الناشئة أنه لم يعد ينظر إلى التكنولوجيا باعتبارها مجرد أداة مساعدة للنشاط المالي؛ بل أصبحت جزءًا من البنية التنظيمية للنشاط نفسه، مع إمكان وضع متطلبات خاصة بالترخيص، والهوية الرقمية، والعقود والسجلات الرقمية، والبنية التكنولوجية وحماية المعلومات.

المدفوعات الرقمية… نقطة الدخول الأسرع للشركات الناشئة

تُعد المدفوعات الرقمية من أكثر مجالات التكنولوجيا المالية نموًا وتأثيرًا في نشاط الشركات. فحتى الشركة التي لا تعمل أصلًا في القطاع المالي يمكنها الاستفادة من حلول الدفع والتحصيل الإلكتروني في تطوير نموذج أعمالها.

فالمتاجر الإلكترونية، وشركات الخدمات، والمنصات التعليمية، والشركات اللوجستية، والتطبيقات المختلفة تستطيع دمج وسائل الدفع الإلكتروني في عملياتها، بما يسهل عملية الشراء والتحصيل، ويحد من التعامل النقدي، ويساعد الإدارة على متابعة التدفقات المالية بصورة أكثر دقة.

لكن إذا تجاوز نشاط الشركة مجرد استخدام خدمة دفع مرخصة، وامتد إلى تقديم خدمات دفع أو تشغيل منظومة دفع للغير، فإن الأمر ينتقل إلى نطاق تنظيمي مختلف، ويجب دراسة متطلبات الترخيص والموافقات قبل إطلاق الخدمة.

الإقراض والتمويل الرقمي

بدأ التمويل الرقمي يفرض نفسه باعتباره أحد المجالات الواعدة في السوق المصرية، خصوصًا مع تطور أدوات تحليل البيانات والتقييم الائتماني. إذ يمكن للتكنولوجيا أن تساعد الجهات المرخصة على دراسة العميل بصورة أسرع، والاستفادة من مصادر بيانات أوسع من الأساليب التقليدية وحدها، مع الالتزام بالضوابط القانونية والرقابية ذات الصلة.

وبالنسبة للمشروعات الصغيرة والمتوسطة، يمكن لهذا التطور أن يساهم في تسهيل الوصول إلى التمويل، إلا أن تقديم التمويل نفسه يظل نشاطًا منظمًا لا يجوز ممارسته لمجرد امتلاك تطبيق أو منصة إلكترونية. وهذه من أكثر النقاط التي ينبغي على مؤسسي شركات FinTech فهمها مبكرًا.

التمويل الجماعي وفرص الشركات الناشئة

يمثل التمويل الجماعي (Crowdfunding) أحد النماذج التي تستخدم التكنولوجيا لربط المشروعات بمصادر تمويل متعددة من خلال المنصات الإلكترونية. وقد يكون هذا النموذج ذا أهمية خاصة بالنسبة للمشروعات الصغيرة والابتكارية التي تبحث عن بدائل إضافية للتمويل التقليدي.

غير أن مصطلح «التمويل الجماعي» يضم نماذج قانونية مختلفة؛ فقد يقوم على الإقراض، أو الاستثمار، أو أدوات مالية أخرى، ولكل نموذج طبيعته وضوابطه. لذلك لا يكفي إنشاء منصة وجمع الأموال من الجمهور، بل يجب أولًا تحديد التكييف القانوني للنشاط والجهة الرقابية المختصة والحصول على ما يلزم من تراخيص أو موافقات قبل مزاولته.

كيف تستفيد الشركات الناشئة من التحول الرقمي؟

الفرصة الحقيقية لا تكمن فقط في إنشاء شركة FinTech بالمعنى التقليدي. فحتى الشركات العاملة في التجارة، والصناعة، والزراعة، والنقل، والترفيه والخدمات يمكنها الاستفادة من التحول المالي الرقمي.

  • تسهيل التحصيل: من خلال دمج وسائل الدفع الرقمية داخل التطبيقات والمواقع ونقاط البيع.
  • إدارة التدفقات النقدية: باستخدام حلول تقنية توفر بيانات أسرع وأكثر دقة عن الإيرادات والمدفوعات.
  • الوصول إلى التمويل: عبر الاستفادة من المنتجات والحلول الرقمية التي تقدمها الجهات المالية المرخصة.
  • تحسين تجربة العميل: بتقليل الوقت والإجراءات المطلوبة لإتمام المعاملة.
  • الاستفادة من البيانات: في فهم سلوك العملاء وتطوير الخدمات، بشرط الالتزام بقواعد حماية البيانات والخصوصية.
  • التوسع بتكلفة أقل: إذ تستطيع المنصة الرقمية الوصول إلى عدد أكبر من العملاء دون التوسع التقليدي نفسه في الفروع والبنية المادية.

التحديات القانونية التي تواجه شركات FinTech

من خلال الممارسة العملية في السوق، يتضح أن التحدي الأكبر أمام كثير من الشركات الناشئة ليس في تطوير المنتج التقني وحده، وإنما في تحديد الإطار القانوني الذي يعمل من خلاله.

فقد تبدأ الشركة باعتبار نفسها شركة برمجيات، بينما يتطور نموذجها تدريجيًا حتى تصبح بعض الخدمات التي تقدمها داخلة في نطاق نشاط مالي منظم. وإذا لم يُكتشف ذلك في الوقت المناسب، فقد تواجه الشركة مشكلة عند الحصول على استثمار، أو التعاقد مع مؤسسة مالية، أو التوسع التجاري.

ومن أبرز المسائل التي يجب حسمها مبكرًا:

  • اختيار الشكل القانوني المناسب للشركة.
  • تحديد ما إذا كان النشاط يحتاج إلى ترخيص أو موافقة رقابية.
  • تنظيم العلاقة بين المؤسسين والمستثمرين.
  • حماية البرمجيات والعلامات التجارية وغيرها من حقوق الملكية الفكرية.
  • وضع سياسات واضحة لحماية البيانات والخصوصية.
  • صياغة عقود استخدام المنصة وشروط تقديم الخدمة.
  • تنظيم ملكية الأكواد البرمجية والتكنولوجيا التي يطورها الموظفون أو المتعاقدون.

العقود التقنية جزء من قيمة الشركة

أظهرت التجربة العملية أن الشركات التي تحرص على صياغة عقود تقنية واضحة، وتنظيم سياسات الخصوصية، وإبرام اتفاقيات عدم الإفصاح، وتحديد ملكية حقوق الملكية الفكرية، تكون أكثر استعدادًا لاستقبال المستثمرين والتوسع بصورة آمنة مقارنة بالشركات التي تركز على تطوير المنتج التقني وحده.

وهذه المسائل تظهر بوضوح أثناء الفحص القانوني النافي للجهالة (Legal Due Diligence) الذي يسبق كثيرًا من جولات الاستثمار. فقد يكون المنتج ناجحًا تجاريًا، لكن عدم امتلاك الشركة بصورة واضحة لحقوق البرنامج أو العلامة التجارية، أو وجود خلل في العقود والبيانات والتراخيص، يؤدي إلى خفض قيمة الاستثمار أو تأجيله وربما العدول عنه.

من البنك المركزي أم الرقابة المالية؟

من الأخطاء التي يقع فيها بعض رواد الأعمال افتراض وجود جهة رقابية واحدة لجميع أنشطة التكنولوجيا المالية. والحقيقة أن تحديد الجهة المختصة يتوقف على طبيعة النشاط ذاته.

فالأنشطة المرتبطة بالقطاع المصرفي ونظم وخدمات الدفع تقع أساسًا ضمن الاختصاص الرقابي للبنك المركزي المصري وفقًا للتشريعات المنظمة، بينما تتولى الهيئة العامة للرقابة المالية الإشراف على استخدام التكنولوجيا في الأنشطة المالية غير المصرفية الخاضعة لرقابتها.

ومن ثم فإن السؤال القانوني الأول قبل إطلاق أي مشروع FinTech يجب أن يكون: ما النشاط الذي سنقدمه فعليًا، وليس ما الاسم الذي سنطلقه على التطبيق؟ فالتكييف القانوني للنشاط هو الذي يحدد الترخيص والجهة الرقابية والالتزامات الواجبة.

الدور القانوني في نجاح شركات التكنولوجيا المالية

في هذا الإطار، يبرز الدور المتزايد للمكاتب القانونية المتخصصة في مواكبة التحول الرقمي، ليس فقط من خلال تقديم الاستشارات القانونية التقليدية، وإنما من خلال فهم طبيعة نماذج الأعمال الرقمية ومتطلبات الجهات الرقابية والتشريعات الحديثة، وربطها بخطة نمو المشروع وتمويله.

وفي مكتب الدكتور مصطفى الروبي – محامون ومستشارون، قمنا بتقديم الدعم القانوني للشركات الناشئة العاملة في مجالات التكنولوجيا والتحول الرقمي عبر مراحل مختلفة من عمر الشركة، بدءًا من التأسيس وتنظيم العلاقة بين الشركاء، مرورًا بالعقود وحماية الملكية الفكرية والبيانات، ووصولًا إلى مراحل النمو والاستقرار والتوسع.

وننظر إلى هذا الدور باعتباره شراكة في التنمية والنجاح؛ لأن المستشار القانوني في المشروعات الرقمية لا ينبغي أن يقتصر دوره على معالجة المشكلة بعد وقوعها، وإنما يجب أن يشارك في بناء النموذج القانوني الذي يسمح للمشروع بالنمو بأقل قدر ممكن من المخاطر.

الخلاصة: مستقبل واعد يتطلب أساسًا قانونيًا صحيحًا

يحمل مستقبل التكنولوجيا المالية في مصر فرصًا واسعة للشركات الناشئة، سواء للشركات التي تقدم حلولًا مالية رقمية مباشرة أو للمشروعات التي تستخدم هذه الحلول لتطوير أعمالها وزيادة كفاءتها.

لكن هذه الفرص تقابلها التزامات لا يمكن تجاهلها. فالابتكار المالي يتحرك في بيئة تخضع للرقابة وحماية العملاء والبيانات، وما يصلح لشركة برمجيات عادية قد لا يكون كافيًا لشركة تدخل في تقديم خدمة مالية منظمة.

لذلك فإن الاستفادة الحقيقية من التحول الرقمي لا تبدأ عند إطلاق التطبيق، بل قبل ذلك: من تحديد النشاط بدقة، واختيار الكيان القانوني المناسب، ومعرفة الجهة الرقابية المختصة، وحماية التكنولوجيا والبيانات، وصياغة العقود التي تحكم العلاقة مع العملاء والشركاء والمستثمرين.

ومن هنا يصبح الجمع بين الابتكار التقني والامتثال القانوني حجر الأساس لبناء شركات FinTech قادرة على جذب الاستثمار، والتوسع بثقة، والاستمرار في سوق سريع التطور مثل السوق المصري.