السبت إلى الخميس، 9:00 صباحًا - 6:00 مساءً

الرؤى القانونية

مسؤولية البنوك عن صرف الشيكات المزورة

يثير صرف الشيك المزور واحدة من أهم صور المسؤولية في العمل المصرفي؛ لأن البنك المسحوب عليه يتعامل مع أموال مودعة لديه لحساب العميل، ولا يجوز في الأصل الخصم من حسابه استنادًا إلى شيك لم يصدر عنه حقيقة.

وقد نظم قانون التجارة رقم 17 لسنة 1999 هذه المسألة بنص خاص في المادة 528، التي توزع تبعة الضرر الناتج عن الوفاء بشيك زُوِّر فيه توقيع الساحب أو حُرِّفت بياناته، مع الاعتداد في الوقت نفسه بأي خطأ يصدر من العميل ويسهم في وقوع الضرر.

القاعدة القانونية في صرف الشيك المزور

تنص المادة 528 من قانون التجارة على أن المسحوب عليه يتحمل وحده الضرر الناتج عن الوفاء بشيك زُوِّر فيه توقيع الساحب أو حُرِّفت بياناته، إذا لم يكن من الممكن نسبة خطأ إلى الساحب.

كما اعتبر القانون كل شرط يخالف هذه القاعدة كأن لم يكن.

وبذلك لا تقوم مسؤولية البنك فقط على فكرة إهمال موظفه في فحص التوقيع؛ بل ترجع في الأصل إلى أن البنك خصم من حساب العميل قيمة ورقة لم يصدر عنها أمر دفع صحيح من صاحب الحساب.

هل يعفى البنك إذا كان التزوير متقنًا؟

لا. مجرد كون التزوير دقيقًا أو متقنًا إلى درجة يصعب معها اكتشافه لا يعفي البنك بذاته من تحمل تبعة الوفاء.

وقد استقر قضاء محكمة النقض على أن وفاء البنك بقيمة شيك يحمل توقيعًا مزورًا منسوبًا إلى العميل لا يبرئ ذمته قبله، ولو تم الوفاء دون خطأ من البنك، ما دام الساحب نفسه لم يرتكب خطأ ساهم في وقوع الضرر.

ومن ثم فإن معيار المسؤولية ليس فقط: «هل كان موظف البنك يستطيع اكتشاف التزوير؟»، وإنما يسبق ذلك سؤال أكثر جوهرية: هل صدر أمر الوفاء أصلًا من العميل؟

موقف محكمة النقض من التوقيع المزور

قررت محكمة النقض في الطعن رقم 430 لسنة 49 قضائية – جلسة 11 يونيو 1984 أن توقيع الساحب يعد من البيانات الجوهرية اللازمة لوجود الشيك، فإذا كان التوقيع المنسوب إليه مزورًا فإن الورقة لا تكون حجة عليه، ويكون وفاء البنك بقيمتها غير مبرئ لذمته تجاه العميل.

كما أعادت المحكمة تأكيد هذا المبدأ في الطعن رقم 2687 لسنة 84 قضائية – جلسة 9 أبريل 2015، مقررة أن تبعة الوفاء تقع على البنك أيًا كانت درجة إتقان التزوير، ما لم يثبت خطأ من جانب العميل.

متى يتحمل العميل جزءًا من المسؤولية؟

مسؤولية البنك ليست مطلقة. فالمادة 528 نفسها تربط تحميل البنك كامل الضرر بعدم إمكانية نسبة خطأ إلى الساحب.

ومن أبرز صور الخطأ التي أشار إليها القانون صراحة إهمال العميل في المحافظة على دفتر الشيكات المسلم إليه.

وقد يكون من صور ذلك:

  • ترك دفتر الشيكات في مكان غير مؤمن.
  • تمكين أشخاص غير مخولين من الوصول إليه.
  • التوقيع على نماذج شيكات على بياض دون ضوابط مناسبة.
  • التأخر غير المبرر في إخطار البنك بفقد الدفتر أو سرقته.

ولا يؤدي وجود خطأ من العميل بالضرورة إلى إعفاء البنك كليًا؛ بل يجب تحديد مدى مساهمة خطأ كل طرف في وقوع الضرر.

الخطأ المشترك بين البنك والعميل

قد يقع الضرر نتيجة خطأ مشترك، كأن يهمل العميل في حفظ دفتر الشيكات، بينما يقصر البنك كذلك في تنفيذ الضوابط المصرفية التي كان من شأنها اكتشاف الواقعة أو منع الوفاء.

وفي هذه الحالة يجوز توزيع تبعة الضرر بحسب مساهمة كل خطأ فيه.

وقد أقرت محكمة النقض هذا المبدأ في الطعنين رقمي 393 و413 لسنة 43 قضائية – جلسة 7 مارس 1977، عندما ثبت وجود خطأ من العميل ومن البنك معًا.

مقارنة توقيع العميل

تظل مقارنة توقيع الساحب الموجود على الشيك بنموذج توقيعه المحفوظ لدى البنك من أهم الإجراءات المصرفية في عملية الوفاء.

وقد يكشف إهمال هذه المقارنة عن خطأ واضح من البنك، خصوصًا إذا كان الاختلاف في التوقيع ظاهرًا أو كان من الممكن اكتشافه بالإجراءات المعتادة.

لكن حتى إذا كان التزوير غير قابل للاكتشاف بالوسائل المعتادة، فلا يؤدي ذلك وحده إلى سقوط مسؤولية البنك تجاه العميل في حالة تزوير توقيع الساحب، ما لم يثبت خطأ العميل وفقًا للمادة 528.

تحريف بيانات الشيك

لا يقتصر حكم المادة 528 على تزوير توقيع الساحب، بل يشمل أيضًا تحريف بيانات الشيك.

وقد يقع التحريف على:

  • قيمة الشيك.
  • اسم المستفيد.
  • التاريخ.
  • أي بيان جوهري آخر يؤثر في نطاق أمر الوفاء.

وفي هذه الحالات يجب تحديد البيانات الأصلية، ووقت وقوع التحريف، ومدى وضوح التغيير، وخطأ البنك أو العميل وعلاقة هذا الخطأ بالضرر.

أثر التحريف على التزامات الموقعين

تنظم المادة 529 حالة تحريف متن الشيك بالنسبة إلى الموقعين عليه.

فالموقعون بعد وقوع التحريف يلتزمون بما ورد في المتن المحرف، بينما يظل الموقعون السابقون على التحريف ملتزمين وفق البيانات الأصلية.

وهذا الحكم يتعلق بالتزامات الموقعين على الورقة، ولا يلغي القاعدة الخاصة بمسؤولية البنك عن الوفاء الواردة بالمادة 528.

الفرق بين توقيع الساحب وتوقيع المظهر

يجب التمييز بين تزوير توقيع الساحب وبين تزوير أحد تظهيرات الشيك.

فوفق المادة 528، لا يلتزم البنك بالتحقق من صحة توقيعات المظهرين أو الضامنين الاحتياطيين، ولا يسأل عن تزويرها.

أما توقيع الساحب فهو مصدر أمر الوفاء الموجه إلى البنك، ولذلك يخضع لمركز قانوني مختلف.

هل التحقق من هوية حامل الشيك يكفي؟

لا. التحقق من هوية الشخص الذي يقدم الشيك للصرف لا يغني عن وجود أمر دفع صحيح من صاحب الحساب.

فقد تكون هوية مقدم الشيك صحيحة، بينما يكون توقيع الساحب مزورًا. وفي هذه الحالة لا يصبح الخصم من حساب العميل صحيحًا لمجرد معرفة البنك بهوية من تسلم الأموال.

ولهذا يجب فصل مسألة هوية المستفيد أو الحائز عن مسألة صحة توقيع الساحب وأمر الوفاء.

الشيك المسروق ثم المزور

إذا سرق نموذج من دفتر شيكات العميل ثم استُخدم بعد تزوير توقيعه، تصبح طريقة حفظ الدفتر من العناصر الجوهرية في تحديد المسؤولية.

فإذا أثبت العميل أنه حافظ عليه بالعناية المعتادة وأن الفقد وقع رغم اتخاذ الاحتياطات المعقولة، ظل الأصل تحميل البنك تبعة الوفاء.

أما إذا ثبت أن الحصول على نموذج الشيك كان نتيجة إهمال من العميل، فيجوز أن يؤثر ذلك في توزيع المسؤولية.

الإخطار بفقد دفتر الشيكات

يجب على العميل إخطار البنك فور اكتشاف فقد دفتر الشيكات أو أحد نماذجه.

وتظهر أهمية الإخطار في أنه يمنح البنك فرصة لاتخاذ الإجراءات اللازمة لمنع صرف الشيكات المفقودة.

وقد يكون التأخر في الإخطار عنصرًا في تقدير خطأ العميل إذا ثبت أن الصرف كان يمكن تفاديه لو أخطر البنك في وقت مناسب.

كشوف الحساب والاعتراض على العمليات

يجب على العميل مراجعة كشوف حسابه بصورة منتظمة.

وتنظم المادة 530 من قانون التجارة أثر كشوف الحساب التي يرسلها البنك إلى العميل، ومن بينها أثر عدم الاعتراض على القيود خلال المدة التي حددها القانون.

لذلك فإن اكتشاف خصم قيمة شيك غير معروف يجب أن يتبعه اعتراض واضح وفوري على العملية، مع طلب صورة الشيك والبيانات المتعلقة بصرفه.

المسؤولية المدنية للبنك

المطالبة الأساسية في حالة صرف شيك يحمل توقيعًا مزورًا تكون عادة بإعادة المبلغ الذي خصم من الحساب دون أمر صحيح من العميل، فضلًا عن التعويض عن الأضرار الأخرى متى ثبتت شروط المسؤولية عنها.

ولا يشترط لتحميل البنك تبعة قيمة الشيك – في الحالة التي تنطبق عليها المادة 528 ولا يوجد خطأ من الساحب – إثبات أن موظف البنك ارتكب جريمة أو خطأ جسيمًا.

وهذه نقطة تميز المسؤولية المصرفية والمدنية عن المسؤولية الجنائية.

هل صرف الشيك المزور جريمة على موظف البنك؟

ليس تلقائيًا.

فقد يكون البنك مسؤولًا مدنيًا عن رد قيمة الشيك، بينما لا تقوم أي مسؤولية جنائية على الموظف الذي قام بالصرف.

المسؤولية الجنائية تحتاج إلى فعل عمدي يجرمه القانون، مثل ثبوت التواطؤ مع المزور أو الاشتراك في التزوير أو الاستيلاء على الأموال أو غير ذلك من الجرائم بحسب الوقائع.

أما مجرد عدم اكتشاف تزوير متقن فلا يكفي بذاته لإسناد جريمة إلى موظف البنك.

عبء الإثبات في النزاع

تختلف عناصر الإثبات بحسب ما إذا كان النزاع متعلقًا بتوقيع مزور أو بتحريف بيانات الشيك أو بخطأ مشترك.

ومن أهم المستندات والأدلة:

  • أصل الشيك محل النزاع.
  • نموذج توقيع العميل المعتمد لدى البنك.
  • تقارير أبحاث التزييف والتزوير أو الخبرة الفنية.
  • كشف الحساب الذي يظهر عملية الخصم.
  • إخطار فقد أو سرقة دفتر الشيكات، إن وجد.
  • مراسلات الاعتراض المقدمة إلى البنك.
  • بيانات الشخص الذي صرف الشيك وطريقة الوفاء.
  • سجلات تسليم واستخدام دفتر الشيكات داخل الشركة.

احتياطات عملية للشركات

ترتفع مخاطر الشيكات داخل الشركات عندما تتعدد الجهات التي تتعامل مع الدفاتر والتوقيعات. ولهذا يفضل تطبيق نظام داخلي واضح يتضمن:

  • حفظ دفاتر الشيكات في مكان مؤمن.
  • تحديد الأشخاص المخولين باستلام واستخدام الدفاتر.
  • إنشاء سجل لحركة كل نموذج شيك.
  • تجنب توقيع شيكات على بياض.
  • استخدام مستويات اعتماد مزدوجة في الحسابات متى كانت متاحة.
  • مراجعة كشوف الحساب بصورة منتظمة.
  • إخطار البنك فورًا بأي فقد أو استخدام غير مصرح به.

الخلاصة

مسؤولية البنك عن صرف شيك مزور في القانون المصري لا تتحدد فقط بمقدار العناية التي بذلها موظف البنك في اكتشاف التزوير.

فالقاعدة التي أرستها المادة 528 من قانون التجارة وقضاء محكمة النقض هي أن البنك يتحمل من حيث الأصل الضرر الناتج عن الوفاء بشيك زُوِّر فيه توقيع الساحب أو حُرِّفت بياناته، ما لم يمكن نسبة خطأ إلى العميل ساهم في وقوع الضرر.

ومن ثم فإن إتقان التزوير لا يمثل سببًا مستقلًا لإعفاء البنك. ويصبح الفحص القانوني منصبًا على ثلاثة عناصر رئيسية: صحة توقيع الساحب، ومدى وجود خطأ من العميل، والعلاقة السببية بين أخطاء الأطراف وبين الضرر الناتج عن الصرف.

وتقدم مؤسسة مصطفى الروبي للمحاماة والتحكيم الدولي خدماتها في المنازعات المصرفية والتجارية، بما يشمل مراجعة المستندات المصرفية والشيكات محل النزاع وتحديد الأساس القانوني للمسؤولية والإجراءات القضائية المناسبة بحسب ظروف كل حالة.