السبت إلى الخميس، 9:00 صباحًا - 6:00 مساءً

الرؤى القانونية

جريمة تهريب العملات الأجنبية في القانون المصري

يستخدم تعبير «تهريب العملات الأجنبية» عمليًا لوصف أكثر من صورة من صور مخالفة القواعد المنظمة للنقد الأجنبي، إلا أن القانون المصري لا يجمع هذه الصور في جريمة واحدة تحمل هذا الاسم وأركانًا وعقوبة موحدة.

فقد يتعلق الأمر بحمل نقد أجنبي عبر الحدود بالمخالفة للحدود المقررة قانونًا، أو بعدم الإفصاح عنه عند دخوله البلاد، أو بالتعامل في النقد الأجنبي خارج البنوك والجهات المرخص لها، أو بممارسة نشاط تحويل الأموال دون ترخيص. وقد ترتبط الواقعة، في حالات أخرى، بجريمة غسل أموال إذا توافرت أركانها المستقلة.

ولهذا فإن التكييف الصحيح يبدأ من تحديد الفعل ذاته، لا من إطلاق وصف عام عليه.

الاحتفاظ بالنقد الأجنبي في ذاته ليس جريمة

الأصل في القانون المصري أن حيازة النقد الأجنبي ليست محظورة. فالمادة 212 من قانون البنك المركزي والجهاز المصرفي رقم 194 لسنة 2020 تجيز لكل شخص طبيعي أو اعتباري الاحتفاظ بما يؤول إليه أو يملكه أو يحوزه من نقد أجنبي.

كما تجيز إجراء عمليات النقد الأجنبي، بما فيها التحويل إلى الداخل أو الخارج، بشرط أن تتم من خلال البنوك أو الجهات المرخص لها ووفق القواعد التي يحددها البنك المركزي.

ومن ثم لا تتحقق الجريمة لمجرد وجود دولارات أو عملات أجنبية في حيازة شخص. المشكلة القانونية تبدأ عندما تقع المعاملة أو عملية التحويل أو حمل النقد عبر الحدود بالمخالفة للقواعد التي وضعها القانون.

إدخال النقد الأجنبي إلى مصر

تقرر المادة 213 أن إدخال النقد الأجنبي إلى البلاد مكفول لجميع القادمين إليها.

لكن إذا جاوز ما يحمله القادم عشرة آلاف دولار أمريكي أو ما يعادلها بالعملات الأجنبية الأخرى، يجب الإفصاح عنه في الإقرار المعد لهذا الغرض.

وهنا توجد نقطة مهمة: تجاوز مبلغ عشرة آلاف دولار عند الدخول ليس محظورًا بذاته؛ وإنما تنشأ المخالفة إذا كان المبلغ متجاوزًا للحد ولم يتم الإفصاح عنه على النحو الذي يتطلبه القانون.

إخراج النقد الأجنبي من مصر

الوضع عند المغادرة مختلف.

فالمادة 213 تسمح للمسافر بإخراج نقد أجنبي من البلاد بشرط ألا يزيد على عشرة آلاف دولار أمريكي أو ما يعادلها بالعملات الأجنبية الأخرى.

ويستثنى من ذلك ما تبقى مع المسافر من مبالغ سبق له الإفصاح عنها عند دخوله البلاد؛ إذ يسمح له عند المغادرة بحمل المتبقي منها وفق الضوابط القانونية.

ومن ثم لا يصح القول إن مجرد الإفصاح عند المغادرة يبيح إخراج أي مبلغ يتجاوز عشرة آلاف دولار. فالإفصاح يعالج حالة الدخول، بينما وضع القانون حدًا أصلًا لما يجوز إخراجه عند السفر، مع الاستثناء الخاص بالمبالغ السابق الإفصاح عنها عند الوصول.

وقد أكدت محكمة النقض هذا التمييز في تطبيق المادة 213، مقررة أن حظر حمل النقد الأجنبي عند الخروج بما يجاوز الحد المسموح لا يزول بمجرد الإفصاح عنه، ما لم تتوافر إحدى الحالات التي أجازها القانون.

هل إرسال العملات بالبريد جائز؟

لا. تحظر المادة 213 إدخال أوراق النقد المصري أو الأجنبي إلى البلاد أو إخراجها منها عن طريق الرسائل أو الطرود البريدية.

وبذلك يختلف حمل النقد مع المسافر – الذي يخضع للحدود وقواعد الإفصاح – عن إرسال أوراق النقد ذاتها بالبريد، وهو سلوك حظره القانون صراحة.

التعامل في النقد الأجنبي خارج الجهات المرخص لها

هذه صورة مختلفة تمامًا عن حمل النقد عبر الحدود.

فالمادة 212 تجيز التعامل في النقد الأجنبي، لكنها تشترط أن تتم عمليات النقد الأجنبي من خلال البنوك أو الجهات المرخص لها قانونًا.

وتعاقب المادة 233 كل من يتعامل في النقد الأجنبي خارج البنوك المعتمدة أو الجهات التي رخص لها بذلك، وكذلك من يمارس نشاط تحويل الأموال دون الترخيص المقرر قانونًا.

وهذه الجريمة تشمل، بحسب الواقعة، عمليات شراء أو بيع أو استبدال النقد الأجنبي التي تتم خارج القنوات القانونية، ولا يشترط لقيامها أن تكون العملات قد عبرت الحدود الجمركية.

عقوبة التعامل غير المشروع في النقد الأجنبي

تقرر المادة 233 عقوبة مشددة على التعامل في النقد الأجنبي خارج البنوك المعتمدة أو الجهات المرخص لها، أو ممارسة نشاط تحويل الأموال دون ترخيص.

وتتمثل العقوبة في السجن مدة لا تقل عن ثلاث سنوات ولا تزيد على عشر سنوات، وغرامة لا تقل عن مليون جنيه ولا تجاوز خمسة ملايين جنيه أو المبلغ المالي محل الجريمة أيهما أكبر.

كما تقضي المادة بضبط المبالغ والأشياء محل الدعوى والحكم بمصادرتها، وإذا تعذر ضبطها جاز الحكم بغرامة إضافية تعادل قيمتها وفق النص.

عقوبة مخالفة قواعد إدخال وإخراج النقد

تختلف عقوبة مخالفة المادة 213 عن عقوبة السوق غير المشروعة للنقد الأجنبي.

فالمادة 233 تعاقب من يخالف أحكام المادة 213 بالحبس مدة لا تقل عن ثلاثة أشهر، وبغرامة لا تقل عن المبلغ المالي محل الجريمة ولا تزيد على أربعة أمثال هذا المبلغ، أو بإحدى هاتين العقوبتين، مع تطبيق أحكام الضبط والمصادرة التي قررها القانون.

وهذا الاختلاف يؤكد ضرورة عدم جمع جميع صور المخالفة تحت عنوان جنائي واحد أو عقوبة واحدة.

ما الركن المعنوي في جرائم النقد الأجنبي؟

تختلف متطلبات القصد الجنائي بحسب الجريمة المسندة إلى المتهم، إلا أن الأصل في الجرائم العمدية ضرورة ثبوت علمه بالوقائع المكونة للجريمة واتجاه إرادته إلى ارتكاب السلوك المحظور.

ولا يكفي استخدام عبارة عامة مثل «كان يعلم أن العملة خاضعة لرقابة الدولة» دون بحث عناصر الجريمة ذاتها. ففي جريمة إخراج النقد بما يجاوز الحد، على سبيل المثال، يكون من اللازم بحث علم المتهم بمقدار النقد الذي يحمله وواقعة خروجه به، إلى جانب باقي العناصر التي يتطلبها النص.

أما في التعامل غير المشروع في النقد الأجنبي، فيدور الفحص حول حقيقة التعامل، وطبيعة أطرافه، ومكانه، وما إذا كان قد جرى خارج البنوك والجهات المرخص لها.

الفرق بين جريمة النقد الأجنبي وغسل الأموال

لا يتحول كل تعامل غير مشروع في العملة الأجنبية تلقائيًا إلى جريمة غسل أموال.

فقانون مكافحة غسل الأموال رقم 80 لسنة 2002 يضع للجريمة أركانًا مستقلة تتعلق بالتعامل في أموال أو أصول متحصلة من جريمة مع العلم بذلك، واتخاذ أحد الأفعال التي جرمها القانون بشأن هذه الأموال.

لذلك فقد تجتمع جريمة من جرائم النقد الأجنبي مع جريمة غسل الأموال إذا توافرت أركان كل منهما بصورة مستقلة، لكن لا يجوز افتراض غسل الأموال لمجرد ضبط مبلغ كبير أو وجود مخالفة لقواعد الصرف.

هل قانون الجمارك هو الأساس الرئيسي للجريمة؟

عند ضبط نقد مع مسافر في أحد المنافذ الجمركية تكون سلطات الجمارك من الجهات التي تتولى تنفيذ قواعد الإفصاح والضبط، لكن الأساس القانوني الرئيسي للحدود المتعلقة بالنقد الأجنبي وعقوبتها وارد في قانون البنك المركزي والجهاز المصرفي.

ومن ثم لا ينبغي خلط أحكام التهريب الجمركي المتعلقة بالبضائع بقواعد إدخال وإخراج النقد الأجنبي دون تحديد النص الذي ينطبق على الواقعة محل التحقيق.

متى لا تقوم مخالفة حمل النقد الأجنبي؟

من أمثلة الحالات المشروعة، بحسب كل واقعة:

  • الدخول بمبلغ لا يجاوز عشرة آلاف دولار أو ما يعادلها: دون أن ينشأ التزام بالإفصاح على أساس حد المادة 213.
  • الدخول بمبلغ أكبر مع الإفصاح عنه: وفق الإقرار والإجراءات المقررة.
  • الخروج بمبلغ لا يجاوز الحد القانوني: متى لم توجد مخالفة أخرى.
  • الخروج بما تبقى من مبلغ سبق الإفصاح عنه عند الوصول: في الحدود والضوابط التي يقررها القانون.
  • إجراء تحويل مالي من خلال بنك أو جهة مرخص لها: وفق القواعد المنظمة للعملية.

كيف تثبت جرائم النقد الأجنبي؟

تختلف أدلة الإثبات بحسب صورة الجريمة. ففي وقائع السفر قد تشمل الأدلة محاضر الضبط، والإقرار الجمركي، وقيمة النقد المضبوط، وبيانات الدخول والخروج، والمستندات المثبتة للإفصاح السابق.

أما في وقائع التعامل خارج القنوات المشروعة فقد تستند التحقيقات إلى المضبوطات، والمحادثات والمراسلات متى تم الحصول عليها وفق القانون، والتحويلات المالية، وشهادات أطراف التعامل، والسجلات والبيانات المصرفية، وغيرها من الأدلة التي تكشف حقيقة العملية.

وتظل المحكمة ملتزمة بتكوين عقيدتها من الأدلة المطروحة عليها وفقًا لقواعد الإثبات الجنائي، ولا يكفي مجرد الاشتباه أو حيازة الشخص لمبلغ من النقد الأجنبي لإثبات التعامل غير المشروع.

ما الذي يجب فحصه في قضايا حمل النقد عبر المطارات والموانئ؟

  • اتجاه السفر: هل الواقعة دخول إلى مصر أم خروج منها؛ لأن الحكم القانوني مختلف.
  • قيمة النقد المضبوط: بالدولار الأمريكي أو ما يعادله بالعملات الأجنبية الأخرى.
  • وجود إفصاح سابق: خصوصًا عند الاستناد إلى استثناء المبلغ السابق الإفصاح عنه عند الدخول.
  • الإقرار الجمركي: ومضمونه وما إذا كان المتهم قد طُلب منه الإفصاح وفق الإجراءات المقررة.
  • مكان الضبط وتوقيته: ومدى اكتمال فعل الدخول أو الخروج وفق ظروف الواقعة.
  • سلامة إجراءات الضبط والتفتيش: ومدى مطابقتها للقانون.
  • تحديد النص المنطبق: وعدم الخلط بين مخالفة المادة 213 والتعامل غير المشروع المنصوص عليه بالمادة 233.

الخلاصة

لا يوجد في القانون المصري وصف جنائي واحد يشمل كل ما يسمى عمليًا «تهريب العملات الأجنبية». فإدخال النقد إلى البلاد يختلف عن إخراجه، وكلاهما يختلف عن بيع وشراء العملة خارج الجهات المرخص لها، كما تختلف هذه الجرائم عن غسل الأموال.

وتسمح المادة 213 بإدخال النقد الأجنبي إلى مصر مع وجوب الإفصاح إذا تجاوز عشرة آلاف دولار أمريكي أو ما يعادلها، بينما تضع حدًا مقداره عشرة آلاف دولار لما يجوز للمسافر إخراجه، مع الاستثناء الخاص بالمبالغ السابق الإفصاح عنها عند الوصول.

أما التعامل في النقد الأجنبي خارج البنوك والجهات المرخص لها فهو جريمة مستقلة ذات عقوبة أشد. ولهذا فإن التكييف الدقيق للواقعة – هل هي حمل نقد عبر الحدود، أم مخالفة إفصاح، أم تعامل غير مشروع، أم تحويل أموال دون ترخيص – هو نقطة البداية لأي تقييم قانوني صحيح.