ولهذا يجب قبل بحث البطلان تحديد النظام القانوني للشركة. فالقواعد المطبقة على شركات التضامن والتوصية البسيطة ليست مطابقة للأحكام الخاصة بشركات المساهمة أو التوصية بالأسهم أو الشركات ذات المسؤولية المحدودة أو شركات الشخص الواحد الخاضعة للقانون رقم 159 لسنة 1981.
القواعد العامة لعقد الشركة
يعرف القانون المدني الشركة باعتبارها عقدًا يلتزم بمقتضاه شخصان أو أكثر بالمساهمة في مشروع مالي بتقديم حصة من مال أو عمل واقتسام ما ينشأ عنه من ربح أو خسارة، وذلك مع مراعاة الأحكام الخاصة التي تقررها القوانين المنظمة لبعض أنواع الشركات.
ويشترط لصحة عقد الشركة توافر القواعد العامة في العقود من رضا صحيح ومحل وسبب مشروعين، فضلًا عن الأركان والضوابط الخاصة بالشركة بحسب نوعها.
كما تقرر المادة 507 من القانون المدني أن عقد الشركة يجب أن يكون مكتوبًا، وإلا كان باطلًا، ويسري الحكم ذاته على التعديلات التي ترد على العقد دون استيفاء الشكل الذي أفرغ فيه.
هل بطلان عقد الشركة له أثر رجعي دائمًا؟
لا. وهذه من أهم الخصائص التي تميز بطلان الشركة عن البطلان المعتاد في بعض العقود الأخرى.
فالمادة 507 من القانون المدني تقرر أن بطلان عقد الشركة بسبب عدم الكتابة لا يجوز للشركاء الاحتجاج به على الغير، كما لا ينتج أثره فيما بين الشركاء إلا من الوقت الذي يطلب فيه أحدهم الحكم بالبطلان.
ويرتبط بذلك ما استقر عليه القضاء بشأن فكرة الشركة الفعلية. فإذا باشرت الشركة نشاطها بالفعل قبل الحكم ببطلانها، فقد يعترف القانون بالآثار التي ترتبت على وجودها في الفترة السابقة، بدلًا من محو جميع معاملاتها بأثر رجعي بما يضر بالشركاء والمتعاملين معها.
ومن ثم فإن العبارة القائلة إن الحكم بالبطلان «يمحو الشخصية الاعتبارية منذ تاريخ التأسيس» ليست صحيحة على إطلاقها.
الشركات الخاضعة لقانون الشركات رقم 159 لسنة 1981
يطبق قانون شركات المساهمة وشركات التوصية بالأسهم والشركات ذات المسؤولية المحدودة وشركات الشخص الواحد رقم 159 لسنة 1981 على أنواع الشركات التي حددها القانون، وقد وضع لها نظامًا خاصًا للتأسيس يختلف في بعض جوانبه عن القواعد العامة لعقد الشركة.
ومن بين هذه القواعد أن يكون عقد الشركة أو نظامها مستوفيًا للشكل والبيانات والإجراءات التي يتطلبها القانون ولائحته التنفيذية، وأن يتم إخطار الهيئة العامة للاستثمار والمناطق الحرة بإنشاء الشركة وإيداع المستندات المطلوبة واتخاذ إجراءات القيد والشهر المقررة.
متى تكتسب الشركة الشخصية الاعتبارية؟
يرتبط اكتساب الشخصية الاعتبارية في الشركات الخاضعة للقانون رقم 159 لسنة 1981 بإجراءات القيد والشهر التي نظمها القانون واللائحة التنفيذية.
والنقطة الأهم أن المشرع استهدف بعد إتمام التأسيس والقيد حماية استقرار الشركة وتعاملاتها. ولذلك لا يجوز بعد اكتساب الشركة الشخصية الاعتبارية الطعن في وجودها بسبب مخالفة الأحكام المتعلقة بإجراءات التأسيس.
وهذا الحكم يمنع تحويل أي خطأ إجرائي سابق على التأسيس إلى وسيلة دائمة لتهديد وجود الشركة بعد أن دخلت المعاملات واكتسبت شخصيتها القانونية.
الفرق بين عيب إجراءات التأسيس وعيب في أصل العقد
يجب التمييز بين حالتين مختلفتين:
- مخالفة إجراءات التأسيس: مثل مخالفة بعض الإجراءات أو المستندات أو الأوضاع التي يفرضها قانون الشركات عند إنشاء الشركة. ويخضع أثرها للنظام الخاص المقرر بقانون الشركات ولائحته، ولا يجوز بعد اكتمال التأسيس التمسك ببطلان الشركة لمجرد هذه المخالفات متى تحصنت إجراءات التأسيس وفق القانون.
- عيب يمس أصل التصرف أو مشروعيته: مثل انعدام الرضا أصلًا، أو عدم مشروعية غرض الشركة، أو وجود اتفاق يخالف قاعدة آمرة أو النظام العام. وهذه الحالات لا ينبغي الخلط بينها وبين مجرد خطأ في إجراء إداري من إجراءات التأسيس.
هل عدم مشروعية غرض الشركة يؤدي إلى البطلان؟
يجب أن يكون غرض الشركة مشروعًا وغير مخالف للنظام العام أو الآداب أو القواعد القانونية الآمرة. فإذا قام الاتفاق ذاته على مباشرة نشاط محظور قانونًا، فإن الأمر لا يتعلق بمجرد نقص في أوراق التأسيس، وإنما بعيب يمس محل أو سبب التصرف بحسب الأحوال.
أما إذا كان الغرض في ذاته مشروعًا ولكن مزاولة نشاط معين تتطلب ترخيصًا لم تحصل عليه الشركة، فلا يعني ذلك دائمًا بطلان عقد الشركة ذاته؛ فقد يترتب على ذلك منع مزاولة النشاط أو جزاءات تنظيمية أو آثار أخرى يحددها القانون المنظم للنشاط.
وهذا التفريق مهم؛ لأن عدم الحصول على ترخيص مهني أو رقابي لا يساوي تلقائيًا عدم مشروعية عقد تأسيس الشركة.
هل نقص أحد البيانات في عقد التأسيس يؤدي دائمًا إلى البطلان؟
ليس كل نقص في البيانات يؤدي إلى بطلان الشركة. فيجب أولًا تحديد ما إذا كان البيان عنصرًا جوهريًا لا يقوم العقد بدونه، أم بيانًا أوجب القانون استيفاءه ويمكن تصحيحه في إطار إجراءات التأسيس.
فالقانون واللائحة التنفيذية يحددان البيانات التي يجب أن تتضمنها عقود وأنظمة الشركات الخاضعة للقانون رقم 159 لسنة 1981، كما يتيح نظام التأسيس للجهة المختصة الاعتراض على إنشاء الشركة في الحالات التي يحددها القانون وطلب إزالة أسباب الاعتراض.
ومن ثم فإن كثيرًا من أوجه النقص الإجرائي يمكن معالجتها قبل اكتمال التأسيس بدلًا من اعتبار الشركة باطلة بمجرد ظهورها.
مسؤولية المؤسسين عن أخطاء التأسيس
عدم إمكان إبطال الشركة بعد استقرار تأسيسها لا يعني إعفاء المؤسسين من المسؤولية عن المخالفات التي ارتكبوها أثناء مرحلة التأسيس.
فالقانون رقم 159 لسنة 1981 يفرض على المؤسسين التزامات خاصة، من بينها بذل عناية الرجل الحريص، كما يرتب مسؤوليتهم عن الأضرار التي تصيب الشركة أو الغير نتيجة مخالفة واجبات التأسيس.
وقد تقوم كذلك مسؤوليات خاصة بشأن البيانات أو الحصص أو رأس المال أو التصرفات التي أجريت لحساب الشركة تحت التأسيس، بحسب طبيعة الواقعة والنص المنطبق عليها.
وبذلك يحقق القانون توازنًا بين استقرار الشخصية الاعتبارية للشركة من ناحية، ومساءلة من تسبب في مخالفة إجراءات أو واجبات التأسيس من ناحية أخرى.
هل يترتب البطلان على وجود شريك ناقص الأهلية أو عديمها؟
لا يصح القول بصفة عامة إن مشاركة قاصر أو ناقص أهلية أو شخص خاضع للحجر تؤدي تلقائيًا إلى بطلان الشركة بأكملها. فالمسألة تخضع لقواعد الأهلية والتمثيل القانوني ونوع الشركة ومدى ارتباط العيب بالعقد كله.
وقد يكون أثر العيب مقصورًا على تصرف الشريك ذاته أو حصته، وقد يتطلب موافقة أو تمثيلًا قانونيًا خاصًا، بينما يؤدي في حالات أخرى إلى نتائج مختلفة إذا كان وجود هذا الشريك جوهريًا لاستمرار الشركة.
لذلك يجب فحص الأهلية في ضوء الواقعة والقانون المنظم بدل استخدام قاعدة عامة بالبطلان.
هل إفلاس أحد الشركاء يبطل عقد الشركة؟
لا. الإفلاس ليس في ذاته سببًا عامًا لبطلان عقد تأسيس جميع أنواع الشركات.
وقد يؤثر إفلاس الشريك في استمراره في بعض شركات الأشخاص أو في سلطاته والتصرف في أمواله، بينما يختلف الأثر في شركات الأموال التي تقوم شخصيتها القانونية واستمرارها بدرجة أكبر على استقلالها عن الأشخاص المساهمين فيها.
ومن ثم فإن جمع «المفلس» و«المحجور عليه» تحت قاعدة واحدة مؤداها بطلان الشركة غير دقيق قانونًا.
ما الفرق بين بطلان الشركة وبطلان قرار صادر منها؟
هناك فرق جوهري بين الطعن في تأسيس الشركة ذاتها وبين الطعن على قرار صدر من مجلس إدارتها أو جمعيتها العامة بعد تأسيسها.
فبعد أن تكتسب الشركة شخصيتها الاعتبارية، قد يصدر عنها قرار يخالف القانون أو النظام الأساسي. وفي هذه الحالة يكون النزاع متعلقًا ببطلان القرار أو التصرف ذاته، وليس ببطلان تأسيس الشركة.
وقد أكدت محكمة النقض هذا التمييز، مقررة أن تحصين إجراءات التأسيس بعد اكتمالها يختلف عن القواعد التي تحكم بطلان التصرفات والقرارات الصادرة من الشركة بعد إنشائها.
متى يمكن تصحيح العيب بدلًا من إبطال الشركة؟
يعتمد ذلك على طبيعة المخالفة والمرحلة التي اكتشفت فيها. فإذا كان العيب متعلقًا بإجراء أو بيان يمكن استكماله قبل تمام التأسيس، فقد يكون التصحيح هو المسار القانوني الطبيعي.
وقد تتضمن إجراءات التأسيس اعتراضًا من الهيئة على قيام الشركة مع تحديد أسباب الاعتراض وما يجب اتخاذه لإزالتها، بما يسمح للمؤسسين بتوفيق الأوضاع وفق القانون.
أما العيوب التي تمس مشروعية الاتفاق ذاته أو قاعدة آمرة فلا يجوز افتراض قابليتها للتصحيح بالطريقة نفسها، ويجب دراسة أثرها وفق القواعد العامة والنصوص الخاصة المنظمة لنوع الشركة.
آثار الحكم ببطلان الشركة
تختلف آثار الحكم بالبطلان بحسب سببه ونوع الشركة ومدى مباشرتها لنشاطها قبل الحكم.
فإذا كانت الشركة قد تعاملت بالفعل مع الشركاء والغير، لا يجوز دائمًا تجاهل الفترة السابقة واعتبار جميع التصرفات كأن لم تكن. وقد يترتب على الاعتراف بالشركة الفعلية تصفية العلاقات التي نشأت خلال فترة عملها وفقًا للقواعد التي تحافظ على حقوق الشركاء والدائنين والغير.
أما المسؤولية الشخصية للمؤسسين أو الشركاء فلا تنشأ لمجرد الحكم بالبطلان في جميع الأحوال، وإنما يجب تحديد النص الذي يرتب المسؤولية، ونوع الشركة، وسبب البطلان، وما إذا كان الشخص قد ارتكب خطأ أو مخالفة ترتب عليها ضرر.
ما الذي يجب فحصه قبل رفع دعوى ببطلان عقد تأسيس شركة؟
- نوع الشركة: هل هي شركة أشخاص أم شركة خاضعة للقانون رقم 159 لسنة 1981.
- تاريخ التأسيس والقيد: وما إذا كانت الشركة قد اكتسبت شخصيتها الاعتبارية بالفعل.
- سبب البطلان: هل يتعلق بأصل العقد أم بمجرد إجراء من إجراءات التأسيس.
- إمكان التصحيح: وهل تم إزالة المخالفة أو استكمال المستندات قبل اكتمال التأسيس.
- بدء النشاط: وهل مارست الشركة أعمالًا فعلية ترتب عليها حقوق للغير.
- الطلبات المناسبة: هل النزاع يقتضي طلب بطلان الشركة، أم بطلان قرار أو تصرف معين، أم حل الشركة أو تصفيتها، أم التعويض عن خطأ في التأسيس.
- الاختصاص القضائي: تحديد المحكمة المختصة وفق نوع الشركة وطبيعة النزاع والنصوص القانونية التي تحكمه.
الخلاصة
بطلان عقد تأسيس الشركة ليس نتيجة تلقائية لكل مخالفة تقع أثناء التأسيس. فالقانون المصري يفرق بين العيوب التي تمس أركان العقد أو مشروعيته، وبين مخالفات إجراءات التأسيس، وبين القرارات والتصرفات التي تصدر عن الشركة بعد إنشائها.
وبالنسبة إلى الشركات الخاضعة للقانون رقم 159 لسنة 1981، تكتسب مسألة استقرار الشركة بعد اكتمال تأسيسها أهمية خاصة؛ إذ لا يجوز بعد اكتسابها الشخصية الاعتبارية إعادة فتح الطعن في وجودها لمجرد مخالفة الإجراءات المتعلقة بالتأسيس. ويبقى مع ذلك مجال لمسؤولية المؤسسين، أو بطلان تصرف أو قرار معين، أو غير ذلك من الجزاءات والآثار التي يقررها القانون بحسب الواقعة.
ولهذا فإن الخطوة الأولى في أي نزاع ليست السؤال فقط عما إذا كان عقد الشركة «باطلًا»، بل تحديد نوع العيب، ونوع الشركة، والمرحلة التي وقع فيها، والأثر القانوني الذي رتبه المشرع عليه.