السبت إلى الخميس، 9:00 صباحًا - 6:00 مساءً

الرؤى القانونية

تلف البضائع أو فقدها أثناء النقل البحري

يعد تلف البضائع أو فقدها أثناء النقل البحري من أكثر المنازعات شيوعًا في عمليات الاستيراد والتصدير، وقد تترتب عليه خسائر كبيرة لا تقتصر على قيمة البضاعة ذاتها، وإنما قد تمتد إلى توقف الإنتاج أو فوات فرص تجارية أو تحمل مصروفات إضافية.

وعند وقوع الضرر لا يكفي إثبات أن البضاعة وصلت تالفة أو ناقصة للحكم بالتعويض تلقائيًا؛ بل يجب تحديد من هو الناقل المسؤول، ومتى انتقلت البضاعة إلى عهدته، ومتى وقع التلف أو الفقد، وما إذا تم توجيه الإخطار في الميعاد القانوني، ثم تحديد النظام القانوني الذي يحكم عقد النقل.

وفي مصر قد تخضع العلاقة لقانون التجارة البحرية رقم 8 لسنة 1990، أو لقواعد هامبورج لعام 1978 متى توافرت شروط تطبيق الاتفاقية على النقل الدولي. وهذه التفرقة مهمة لأن بعض القواعد – خاصة الإخطار، والحريق، وحدود المسؤولية – تختلف بين النظامين.

أولًا: من هو الناقل المسؤول عن البضاعة؟

ليس صحيحًا أن الناقل البحري يجب أن يكون دائمًا مالك السفينة. فقد يكون الناقل مالكًا، أو مستأجرًا، أو شركة ملاحة أبرمت عقد النقل باسمها، وقد يوجد إلى جانبه ناقل فعلي عهد إليه بتنفيذ الرحلة أو جزء منها.

ولهذا يبدأ أي ملف تعويض بفحص سند الشحن Bill of Lading وعقد النقل لتحديد:

  • اسم الناقل الذي أبرم عقد النقل.
  • صفة من أصدر أو وقع سند الشحن.
  • وجود ناقل فعلي من عدمه.
  • ميناء الشحن وميناء التفريغ.
  • القانون أو الاتفاقية التي تحكم النقل.

فمطالبة الوكيل الملاحي أو مالك السفينة لمجرد ظهور اسمه في بعض إجراءات الميناء قد تكون موجهة إلى الشخص الخطأ إذا لم يكن هو الناقل أو لم يوجد أساس مستقل لمسؤوليته.

ثانيًا: متى تبدأ مسؤولية الناقل عن البضاعة؟

إذا كان قانون التجارة البحرية المصري هو الواجب التطبيق، تنص المادة 227 على ضمان الناقل لهلاك البضائع أو تلفها إذا حدث الضرر خلال الفترة الواقعة بين تسلمه البضاعة في ميناء الشحن وبين قيامه في ميناء التفريغ بتسليمها إلى صاحب الحق في تسلمها أو إيداعها وفق الأحكام المقررة قانونًا.

أما قواعد هامبورج فتجعل مسؤولية الناقل ممتدة إلى الفترة التي تكون فيها البضاعة في عهدته في ميناء الشحن، وأثناء الرحلة البحرية، وفي ميناء التفريغ إلى أن يتم تسليمها وفقًا للاتفاقية.

ولهذا فإن مجرد وصول السفينة إلى الميناء أو تفريغ البضاعة منها لا يعني بالضرورة انتهاء مسؤولية الناقل. العبرة بالتسليم القانوني والفعلي وفق النظام الذي يحكم عقد النقل وظروف كل واقعة.

ثالثًا: التزام الناقل بتسليم البضاعة كاملة وسليمة

استقر قضاء محكمة النقض على أن التزام الناقل البحري يقوم على تسليم البضاعة إلى صاحب الحق فيها بالقدر والحالة التي تسلمها بها، وأن مسؤوليته لا تنتهي بمجرد وصول السفينة أو إتمام عملية التفريغ متى لم يتحقق التسليم على النحو المقرر قانونًا.

ومن ثم، إذا أثبت صاحب البضاعة أن الناقل تسلم عددًا معينًا من الطرود أو كمية محددة ثم سلم كمية أقل، أو أن البضاعة وصلت بحالة مغايرة لحالتها وقت الشحن، تقوم مسألة مسؤولية الناقل، ويكون عليه التمسك بسبب قانوني ينفيها أو يحد منها.

رابعًا: ماذا يجب على صاحب البضاعة إثباته؟

عمليًا، يجب بناء ملف المطالبة على سلسلة إثبات مترابطة، وأهم عناصرها:

  1. وجود عقد النقل وصفة المدعي في المطالبة.
  2. كمية البضاعة ووصفها وحالتها عند تسليمها للناقل.
  3. وقوع عجز أو هلاك أو تلف.
  4. وقوع الضرر أثناء الفترة التي كانت فيها البضاعة في عهدة الناقل.
  5. قيمة الضرر الفعلي.
  6. مراعاة مواعيد الإخطار والمطالبة والتقاضي.

وتعد بيانات سند الشحن، وتقارير المعاينة، ومحاضر التفريغ والتسليم، والصور، والفواتير، وقوائم التعبئة، والمراسلات مع الناقل وشركة التأمين من أهم وسائل الإثبات.

خامسًا: مسؤولية الناقل وفق القانون المصري

وفق المادة 229 من قانون التجارة البحرية، يستطيع الناقل أن يتحلل من المسؤولية عن الهلاك أو التلف إذا أثبت أن الضرر يرجع إلى سبب أجنبي لا يد له ولا لنائبه ولا لأحد تابعيه فيه.

وبالتالي فالمسؤولية هي الأصل خلال فترة عهدة الناقل، ويقع عليه عبء إثبات السبب الذي يؤدي قانونًا إلى انتفاء مسؤوليته.

وقد يتمثل السبب الأجنبي – بحسب ظروف الواقعة – في قوة قاهرة أو فعل الغير أو خطأ صاحب البضاعة، بشرط أن يكون السبب هو الذي أدى حقيقة إلى الضرر وألا يكون للناقل أو تابعيه خطأ ساهم فيه.

سادسًا: مسؤولية الناقل وفق قواعد هامبورج

تقيم المادة 5 من قواعد هامبورج مسؤولية الناقل عن الخسارة الناتجة عن هلاك البضاعة أو تلفها، وكذلك عن التأخير في التسليم، متى وقع الحادث المسبب للضرر أثناء وجود البضاعة في عهدته.

ويستطيع الناقل دفع المسؤولية إذا أثبت أنه هو وتابعوه ووكلاؤه اتخذوا جميع التدابير التي كان من المعقول طلب اتخاذها لتجنب الحادث ونتائجه.

ومن ثم لا يطالب صاحب البضاعة عادة بإثبات الكيفية الفنية الدقيقة التي أخطأ بها الناقل منذ البداية، وإنما تكون واقعة الضرر خلال عهدة الناقل هي نقطة الانطلاق، ثم يفحص دفاع الناقل والأسباب التي يقدمها لنفي المسؤولية.

سابعًا: ماذا عن الحريق على السفينة؟

يجب الانتباه إلى أن قواعد هامبورج وضعت للحريق حكمًا خاصًا يختلف عن القاعدة العامة.

فعند نشوء الضرر بسبب حريق، يقع على صاحب المطالبة إثبات أن الحريق نشأ عن خطأ أو إهمال من الناقل أو أحد تابعيه أو وكلائه، أو أن جزءًا من الضرر نتج عن تقصيرهم في اتخاذ التدابير المعقولة لإطفاء الحريق أو تجنب نتائجه أو تخفيفها.

ولذلك لا يصح التعامل مع جميع حوادث الحريق وفق قرينة المسؤولية العامة نفسها دون فحص الحكم الخاص الوارد بالاتفاقية.

ثامنًا: العيب الذاتي وسوء التعبئة

قد ترجع خسارة البضاعة إلى طبيعتها وليس إلى عملية النقل ذاتها؛ مثل التلف الطبيعي لبعض المواد، أو فسادها بسبب خاصية داخلية فيها، أو عدم ملاءمة التغليف الذي قام به الشاحن لطبيعة الرحلة.

لكن مجرد وصف البضاعة بأنها «سريعة التلف» لا يعفي الناقل تلقائيًا. يجب تحديد السبب الفني الحقيقي للضرر ومدى التزام الناقل بظروف الحفظ والنقل المتفق عليها.

فإذا كانت البضاعة مثلًا تحتاج إلى درجة حرارة محددة، وكان الناقل قد تعهد بتوفيرها ثم أخفق في ذلك، فلا يستطيع الاعتماد على طبيعة البضاعة السريعة التلف وحدها للتخلص من المسؤولية.

تاسعًا: البيانات غير الصحيحة في سند الشحن

ينص قانون التجارة البحرية المصري على حكم خاص إذا تعمد الشاحن ذكر بيانات غير صحيحة في سند الشحن عن طبيعة البضاعة أو قيمتها.

فإذا أثبت الناقل عدم صحة هذه البيانات وتوافرت شروط النص، فقد يؤثر ذلك في مسؤوليته عن هلاك البضاعة أو تلفها.

ولهذا يجب أن تكون بيانات البضاعة في سند الشحن دقيقة، خاصة فيما يتعلق بنوعها، وعدد الطرود، والوزن، وطبيعتها الخاصة أو الخطرة، وقيمتها إذا تم التصريح بها.

عاشرًا: البضائع المشحونة على سطح السفينة

يفرق القانون المصري بين الشحن داخل العنابر والشحن على سطح السفينة.

فإذا أثبت في سند الشحن أن البضاعة منقولة على السطح، وأثبت الناقل أن الضرر نتج عن المخاطر الخاصة بهذا النوع من النقل، فقد تنتفي مسؤوليته وفق شروط المادة 231.

أما إذا وجد اتفاق صريح يلزم الناقل بالشحن داخل العنابر ثم خالفه ووضع البضاعة على السطح، فإن موقفه يختلف جذريًا، وقد يؤدي ذلك وفق القانون المصري إلى سقوط حقه في التمسك بحدود المسؤولية إذا توافرت شروط المادة 241.

وتنظم قواعد هامبورج الشحن على السطح كذلك، وتجيزه في حالات محددة كوجود اتفاق أو عرف تجاري أو مقتضى قانوني، مع أحكام خاصة عند مخالفة اتفاق صريح على عدم الشحن فوق السطح.

الحادي عشر: الحيوانات الحية

يقرر القانون المصري وقواعد هامبورج نظامًا خاصًا لنقل الحيوانات الحية بسبب المخاطر الملازمة لطبيعتها.

فإذا كان الضرر أو النفوق ناتجًا عن المخاطر الطبيعية الخاصة بهذا النوع من النقل، ونفذ الناقل تعليمات الشاحن، فقد تقوم قرينة لصالح الناقل.

لكن هذه القرينة لا تحميه إذا ثبت أن الضرر كله أو جزء منه نتج عن خطأ من جانبه أو من جانب تابعيه أو وكلائه وفق النظام الواجب التطبيق.

الثاني عشر: الفرق بين التلف الظاهر والتلف غير الظاهر

تحديد ما إذا كان التلف ظاهرًا أو خفيًا أمر بالغ الأهمية؛ لأنه يحدد ميعاد الإخطار.

وقد أكدت محكمة النقض في الطعن رقم 18493 لسنة 83 قضائية – جلسة 23 فبراير 2021 – أن معيار ظهور العيب ليس معيارًا شخصيًا يتغير باختلاف الشخص الذي يتسلم البضاعة، وإنما يقدر وفق ما يستطيع الشخص الفطن المتنبه اكتشافه بالفحص المعتاد.

فتمزق العبوات أو الكسر الظاهر أو وجود نقص يمكن رصده عند التسليم يختلف عن عيب داخلي أو تغير كيميائي لا يمكن اكتشافه إلا بعد الفحص أو الاستخدام.

الثالث عشر: الإخطار بالتلف وفق القانون المصري

إذا كان قانون التجارة البحرية المصري هو الواجب التطبيق، تنص المادة 239 على أنه:

  • في حالة الهلاك أو التلف الظاهر يجب إخطار الناقل كتابة في ميعاد لا يجاوز يومي العمل التاليين ليوم التسليم.
  • إذا كان الهلاك أو التلف غير ظاهر، يجوز توجيه الإخطار خلال خمسة عشر يومًا تالية للتسليم.

ويجب أن يكون الإخطار مكتوبًا، ومن الأفضل عمليًا استخدام وسيلة يمكن إثبات تاريخ إرسالها واستلامها.

الرابع عشر: الإخطار وفق قواعد هامبورج

تختلف المواعيد قليلًا إذا كانت قواعد هامبورج هي النظام الواجب التطبيق.

  • بالنسبة للهلاك أو التلف الظاهر: يجب توجيه إخطار كتابي في موعد لا يتجاوز يوم العمل التالي ليوم تسليم البضاعة.
  • إذا كان التلف غير ظاهر: يجب الإخطار خلال خمسة عشر يومًا متصلة بعد يوم تسليم البضاعة.
  • أما المطالبة بالتعويض عن التأخير، فيلزم بشأنها إخطار كتابي خلال ستين يومًا متصلة بعد يوم التسليم.

ومن ثم لا ينبغي استخدام مهلة «يومي العمل» المصرية في قضية تخضع لقواعد هامبورج.

الخامس عشر: ماذا يحدث إذا لم يرسل الإخطار في الميعاد؟

هذه نقطة يحدث بشأنها خلط كبير.

عدم توجيه إخطار الهلاك أو التلف في الميعاد لا يعني في ذاته سقوط الدعوى تلقائيًا، وإنما تقوم قرينة لمصلحة الناقل على أنه سلم البضاعة بالحالة المبينة في مستند النقل.

وتظل هذه القرينة قابلة لإثبات العكس.

لكن من الناحية العملية يصبح موقف صاحب البضاعة أصعب؛ لأنه يحتاج إلى دليل فني أو مستندي يثبت أن الضرر كان قد وقع بالفعل أثناء عهدة الناقل وليس بعد التسليم.

أما بالنسبة للتأخير، فالأمر أشد: فالقانون المصري وقواعد هامبورج يربطان استحقاق التعويض عن التأخير بتوجيه الإخطار الكتابي خلال مدة الستين يومًا المقررة.

السادس عشر: المعاينة المشتركة قد تغني عن الإخطار

إذا تمت معاينة البضاعة وقت التسليم بحضور الناقل أو ممثله وصاحب الحق في الاستلام، وثبتت حالة البضاعة في محضر المعاينة، فلا تكون هناك حاجة إلى إخطار مستقل عن الضرر الذي ثبت خلال تلك المعاينة وفق القواعد المقررة.

ولهذا تعد المعاينة المشتركة من أقوى الإجراءات العملية عند وصول شحنة يظهر عليها تلف أو نقص.

ويفضل أن يتضمن محضر المعاينة:

  • عدد الطرود المستلمة والمتضررة.
  • حالة العبوات والأختام.
  • نوع التلف الظاهر.
  • الوزن عند الحاجة.
  • صور فوتوغرافية.
  • أي تحفظات من ممثل الناقل.

السابع عشر: تقرير الخبير أو شركة المعاينة

يلجأ أصحاب البضائع وشركات التأمين عادة إلى Surveyor أو مكتب معاينة مستقل لتحديد سبب التلف ومقداره.

وتقرير المعاينة عنصر مهم جدًا في الإثبات، لكنه لا يغني عن باقي المستندات ولا يجعل الناقل مسؤولًا تلقائيًا بمجرد صدوره.

ويجب أن يحدد التقرير – كلما أمكن – حالة البضاعة، وطبيعة التلف، ونسبته، والسبب المحتمل، ومدى صلاحية الجزء المتبقي للاستخدام أو البيع، والقيمة الإنقاذية Salvage Value.

الثامن عشر: التعويض يكون عن الضرر الحقيقي لا عن قيمة البضاعة تلقائيًا

إذا تلفت البضاعة جزئيًا فلا يعني ذلك أن صاحبها يستحق كامل قيمتها.

فالأصل أن التعويض يجبر الخسارة الفعلية، ولذلك يجب خصم القيمة المتبقية للبضاعة أو ما يمكن الحصول عليه من بيعها أو إعادة استخدامها، متى كان لذلك قيمة حقيقية.

وقد تناولت محكمة النقض هذا الأمر في الطعن رقم 18493 لسنة 83 قضائية، وانتقدت القضاء بكامل قيمة الشحنة دون استظهار المصير الذي آلت إليه البضاعة وما إذا كانت لا تزال ذات قيمة يمكن الانتفاع بها.

التاسع عشر: تطبيق قضائي مهم – الطعن رقم 18493 لسنة 83 قضائية

صدر هذا الحكم بجلسة 23 فبراير 2021 في نزاع يتعلق بشحنة نقلت من ميناء كلكتا بالهند إلى ميناء الإسكندرية وتعرضت للتأخير والتلف.

ومن أهم المبادئ التي يمكن استخلاصها منه:

  • تطبيق قواعد هامبورج متى توافرت شروط سريانها على النقل الدولي.
  • استبعاد أحكام قانون التجارة البحرية المصري في المسائل التي نظمتها الاتفاقية عند انطباقها.
  • بطلان الشرط الذي يعفي الناقل من مسؤولية التأخير إذا كان مخالفًا لقواعد هامبورج.
  • ضرورة بحث وصف وحالة البضاعة في سند الشحن.
  • ضرورة التحقق من تاريخ التسليم وتاريخ إخطار الناقل بالضرر.
  • وجوب بحث القيمة المتبقية للبضاعة عند تقدير التعويض.

وهو حكم مهم لأنه يربط بين القاعدة القانونية وبين عناصر الإثبات العملية في دعاوى تلف البضائع.

العشرون: الهلاك الحكمي عند عدم وصول البضاعة

قد لا تصل البضاعة أصلًا إلى صاحب الحق، دون وجود دليل مباشر على غرقها أو تدميرها.

وعالج القانون هذه الحالة حتى لا يظل صاحب البضاعة معلقًا إلى أجل غير محدد.

فوفق المادة 228 من قانون التجارة البحرية المصري تعد البضاعة في حكم الهالكة إذا لم تسلم خلال الستين يومًا التالية لانقضاء ميعاد التسليم.

وتجيز قواعد هامبورج كذلك لصاحب الحق اعتبار البضاعة هالكة إذا لم تسلم خلال 60 يومًا متصلة بعد انقضاء الميعاد المحدد للتسليم وفق الاتفاقية.

وبعد تحقق هذه المدة يستطيع صاحب الحق بناء مطالبته على الهلاك بدلًا من مجرد التأخير.

الحادي والعشرون: حدود التعويض وفق القانون المصري

إذا كان قانون التجارة البحرية المصري هو الواجب التطبيق، تحدد المادة 233 مسؤولية الناقل عن الهلاك أو التلف بما لا يجاوز:

  • 2000 جنيه عن كل طرد أو وحدة شحن؛ أو
  • 6 جنيهات عن كل كيلو جرام من الوزن الإجمالي للبضاعة الهالكة أو التالفة؛

ويعتد بالحد الذي ينتج عنه مبلغ أكبر.

وهذا مجرد سقف للمسؤولية؛ فإذا كانت الخسارة الفعلية أقل منه فلا يحكم إلا بمقدار الضرر الحقيقي.

ولا تزال هذه الحدود القانونية قائمة؛ إذ إن تعديل قانون التجارة البحرية بالقانون رقم 3 لسنة 2025 لم يتناول المواد الخاصة بمسؤولية ناقل البضائع.

الثاني والعشرون: حدود التعويض وفق قواعد هامبورج

إذا انطبقت قواعد هامبورج، تكون حدود المسؤولية عن الهلاك أو التلف:

  • 835 وحدة حقوق سحب خاصة SDR عن كل طرد أو وحدة شحن؛ أو
  • 2.5 وحدة SDR عن كل كيلو جرام من الوزن الإجمالي للبضاعة الهالكة أو التالفة؛

ويطبق الحد الأعلى.

ويجب عدم تحويل هذه الحدود في العقود أو المقالات إلى قيمة ثابتة بالجنيه المصري؛ لأن قيمة حقوق السحب الخاصة تتغير ويتم التحويل وفق القواعد المقررة في الاتفاقية.

الثالث والعشرون: الحاوية وعدد الطرود

إذا وضعت عدة طرود في حاوية، فإن كيفية وصفها في سند الشحن قد تغير سقف المسؤولية بصورة كبيرة.

فإذا ذكر سند الشحن أن الحاوية تحتوي مثلًا على 200 صندوق، فإن كل صندوق يمكن أن يعد وحدة مستقلة عند حساب الحد وفق القواعد القانونية المقررة.

أما إذا لم يذكر عدد الطرود داخل الحاوية على الوجه الذي يعتد به، فقد تعامل الحاوية باعتبارها وحدة شحن واحدة.

ولذلك يجب على الشاحن مراجعة خانة عدد الطرود والوحدات في سند الشحن قبل الإبحار، لا بعد وقوع الضرر.

الرابع والعشرون: التصريح بقيمة البضاعة

يتيح قانون التجارة البحرية المصري للشاحن، وفق المادة 234، تقديم بيان قبل الشحن عن طبيعة البضاعة وقيمتها وما يعلق على المحافظة عليها من أهمية خاصة، وإدراج ذلك في سند الشحن.

وعند استيفاء هذه الشروط لا يجوز للناقل التمسك تجاه الشاحن بالحدود العادية المنصوص عليها في المادة 233، مع بقاء حقه في إثبات عدم صحة القيمة المعلنة.

أما في نظام هامبورج، فالنص الصريح يجيز للناقل والشاحن الاتفاق على حدود مسؤولية أعلى من الحدود الواردة في الاتفاقية.

لذلك لا ينبغي افتراض أن مجرد كتابة قيمة البضاعة بصورة منفردة في أي مستند يؤدي تلقائيًا إلى النتيجة القانونية ذاتها في كل نظام.

الخامس والعشرون: متى يفقد الناقل حقه في تحديد المسؤولية؟

لا يستطيع الناقل الاستفادة من سقف التعويض في جميع الحالات.

فوفق المادة 241 من قانون التجارة البحرية المصري يفقد الناقل حقه في التحديد إذا ثبت أن الضرر نشأ عن فعل أو امتناع صدر منه أو من نائبه أو من أحد تابعيه:

  • بقصد إحداث الضرر؛ أو
  • بعدم اكتراث مصحوب بإدراك أن ضررًا يمكن أن يحدث.

وهذا معيار أشد من مجرد الخطأ أو الإهمال العادي.

ولا يكفي أن يصف المدعي الواقعة بأنها «إهمال جسيم»؛ بل يجب إثبات الوقائع التي تحقق معيار القصد أو عدم الاكتراث المصحوب بإدراك احتمال وقوع الضرر.

السادس والعشرون: هل قاعدة هامبورج مطابقة للمادة 241 المصرية؟

ليست مطابقة تمامًا.

فالمادة 8 من قواعد هامبورج تجعل الناقل يفقد حقه في تحديد المسؤولية إذا كان الضرر ناتجًا عن فعل أو امتناع صادر من الناقل نفسه بقصد إحداث الضرر أو بتهور مع العلم باحتمال وقوعه.

أما إذا رفعت الدعوى مباشرة على تابع الناقل أو وكيله، فيفقد هذا الشخص حقه هو في التمسك بالحدود إذا توافرت الشروط ذاتها بالنسبة إلى سلوكه.

في المقابل، صاغ المشرع المصري المادة 241 بصورة أوسع فنص صراحة على فعل الناقل أو نائبه أو أحد تابعيه.

وهذه نقطة قد تكون حاسمة في القضايا التي يرجع فيها سبب التلف إلى تصرف أحد أفراد طاقم الناقل أو من يعملون لحسابه.

السابع والعشرون: بطلان شروط إعفاء الناقل من المسؤولية

لا يستطيع الناقل إدراج شرط في سند الشحن يتخلص بموجبه من النظام الآمر للمسؤولية.

فالقانون المصري يبطل الاتفاق السابق على وقوع الضرر إذا كان الغرض منه إعفاء الناقل من المسؤولية أو تخفيض حدودها عن الحد القانوني أو تعديل عبء الإثبات لمصلحته، وذلك مع مراعاة الحالات الاستثنائية التي نظمها القانون بشروط خاصة.

كما تقرر المادة 23 من قواعد هامبورج بطلان أي شرط ينتقص، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، من الحقوق والالتزامات التي تقررها الاتفاقية.

وفي المقابل يجوز الاتفاق على زيادة مسؤولية الناقل أو منح صاحب البضاعة حماية أفضل من الحد الأدنى القانوني.

الثامن والعشرون: مدة رفع دعوى التعويض

إلى جانب مواعيد الإخطار القصيرة، يجب الانتباه إلى مدة رفع الدعوى.

فالقانون المصري يقرر مدة سنتين للدعاوى الناشئة عن عقد نقل البضائع بالبحر، وتحسب وفق الأحكام الخاصة الواردة بالقانون.

وقواعد هامبورج تقرر كذلك مدة سنتين لرفع الدعوى القضائية أو التحكيمية.

لكن قواعد بدء المدة وانقطاعها أو امتدادها ليست متطابقة تمامًا في النظامين، ولذلك لا ينبغي الاكتفاء بإرسال مطالبة تجارية والافتراض أنها تحفظ الحق إلى أجل غير محدد.

التاسع والعشرون: ماذا يفعل صاحب البضاعة فور اكتشاف التلف؟

  1. عدم التوقيع على استلام خالٍ من التحفظ إذا كان الضرر ظاهرًا.
  2. إثبات العجز أو التلف في مستند الاستلام متى أمكن.
  3. طلب معاينة مشتركة فورًا.
  4. تصوير البضاعة والحاوية والأختام والعبوات قبل تغيير حالتها.
  5. إخطار الناقل أو ممثله كتابة دون تأخير.
  6. إخطار شركة التأمين إذا كانت الشحنة مؤمنًا عليها.
  7. الاستعانة بخبير معاينة مستقل في الخسائر المهمة.
  8. عدم التخلص من البضاعة التالفة قبل توثيق حالتها وتحديد القيمة المتبقية لها.
  9. الاحتفاظ بسند الشحن والفاتورة وقائمة التعبئة وشهادة المنشأ ومحاضر التفريغ والتسليم.
  10. تحديد النظام القانوني المطبق قبل حساب مبلغ المطالبة.

الثلاثون: أهم الاحتياطات للناقل البحري

  • فحص ظاهر البضاعة وعبواتها وقت الاستلام وإثبات التحفظات الصحيحة في سند الشحن.
  • الاحتفاظ بسجلات واضحة لعمليات الشحن والمناولة والتفريغ والتسليم.
  • توثيق أسباب أي تأخير أو حادث فور وقوعه.
  • مراعاة متطلبات حفظ البضائع الخاصة، بما في ذلك درجة الحرارة والتهوية والرطوبة عند الاتفاق عليها.
  • التعامل الجدي مع طلبات المعاينة وعدم تعطيل توثيق حالة البضاعة.
  • عدم الاعتماد على شروط إعفاء عامة يقرر القانون أو الاتفاقية بطلانها.
  • الحفاظ على التغطية التأمينية المناسبة لمسؤولية الناقل.

خاتمة

نجاح دعوى التعويض عن تلف البضائع أو فقدها أثناء النقل البحري لا يعتمد على وقوع الضرر وحده، وإنما على إثبات متى وقع، وفي عهدة من وقع، وما هي حالة البضاعة عند الشحن والتسليم، وهل روعيت إجراءات الإخطار والمعاينة والمواعيد القانونية.

ويجب كذلك عدم الخلط بين قانون التجارة البحرية المصري وقواعد هامبورج؛ فلكل منهما قواعده في فترة المسؤولية والإخطار وأسباب دفع المسؤولية وحدود التعويض، وتطبق قواعد هامبورج على النقل الدولي متى توافرت شروط سريانها، فتستبعد القانون الداخلي في المسائل التي نظمتها الاتفاقية.

ولهذا تعد سرعة التحرك بعد اكتشاف التلف أو النقص عاملًا أساسيًا في حماية الحق: معاينة مبكرة، إخطار صحيح، مستندات كاملة، وتحديد دقيق للناقل والنظام القانوني الواجب التطبيق.

ويقدم مكتب الدكتور مصطفى الروبي الدعم القانوني في منازعات النقل البحري ومطالبات تلف وفقد البضائع، من خلال مراجعة سندات الشحن ومستندات المعاينة وتحديد أساس المسؤولية والنظام القانوني المطبق قبل اتخاذ إجراءات المطالبة أو التقاضي.