غير أن وجود الوكيل في واجهة التعامل داخل الميناء لا يعني أنه يصبح هو الناقل البحري أو أنه يتحمل في أمواله الخاصة جميع الالتزامات الواقعة على مالك السفينة أو مجهزها. فقد وضع قانون التجارة البحرية رقم 8 لسنة 1990 نظامًا خاصًا يفرق بين النيابة عن المجهز وبين المسؤولية الشخصية للوكيل عن خطئه أو خطأ تابعيه.
وتظهر أهمية هذا التمييز بصورة خاصة عند فقد البضاعة أو تلفها، أو تسليمها إلى غير صاحب الحق، أو وقوع خطأ في مستندات الشحن، أو التأخر في تنفيذ تعليمات المجهز أو الإجراءات المينائية.
أولًا: من هو وكيل السفينة في القانون المصري؟
عرّف قانون التجارة البحرية المركز القانوني لوكيل السفينة من خلال الوظائف التي يقوم بها. فتنص المادة 140 على أن وكيل السفينة يقوم، بوصفه وكيلًا عن المجهز، بالأعمال المتعلقة بالحاجات المعتادة اللازمة للسفينة.
والمجهز في مفهوم القانون هو من يستغل السفينة لحسابه بوصفه مالكًا أو مستأجرًا لها، ويعتبر المالك مجهزًا إلى أن يثبت غير ذلك.
كما تجيز المادة 141 لوكيل السفينة أن يقوم، بحسب نطاق وكالته، بأعمال من بينها:
- تسلم البضائع لشحنها في السفينة عند القيام.
- تسليم البضائع لأصحابها بعد تفريغها عند الوصول.
- تحصيل أجرة النقل المستحقة للمجهز.
وبذلك فالوكيل لا يعمل أصالة عن نفسه في هذه الأعمال، وإنما يمارسها – من حيث الأصل – باسم المجهز ولحسابه وفي حدود الوكالة الممنوحة له.
ثانيًا: يجب عدم الخلط بين وكيل السفينة ووكيل الشحنة والمقاول البحري
يفصل قانون التجارة البحرية بين ثلاثة مراكز قانونية مختلفة:
- وكيل السفينة: يمثل المجهز ويتولى الأعمال المعتادة اللازمة للسفينة.
- وكيل الشحنة: ينوب عن أصحاب الشأن في البضاعة في تسلمها عند الوصول واتخاذ التدابير اللازمة للمحافظة على حقوقهم قبل الناقل.
- المقاول البحري: يتولى العمليات المادية المتعلقة بشحن البضائع على السفينة أو تفريغها منها، وقد يعهد إليه بأعمال أخرى متصلة بالشحن أو التفريغ وفقًا للقانون.
وهذا التمييز مهم عند تحديد المسؤول؛ فقد يقع الضرر أثناء عملية مناولة يتولاها مقاول بحري مستقل، ولا يجوز افتراض أن هذا المقاول أصبح مجرد «تابع» لوكيل السفينة لمجرد أن الوكيل نسق معه أو كلفه بعمل معين.
العبرة تكون بطبيعة العلاقة القانونية الفعلية، وبمن أصدر التعليمات، وبحدود الإشراف والتبعية، وبالعمل الذي أدى إلى الضرر.
ثالثًا: مسؤولية وكيل السفينة أمام المجهز
تنص المادة 142 من قانون التجارة البحرية على أن:
«يسأل وكيل السفينة قبل المجهز بوصفه وكيلاً بأجر».
ومؤدى ذلك أن العلاقة الداخلية بين المجهز ووكيله تقوم على وكالة مأجورة، ويلتزم الوكيل بتنفيذ الأعمال المعهود بها إليه وفق الاتفاق والقانون وبالعناية التي تقتضيها طبيعة النشاط المهني.
ومن أمثلة الأخطاء التي يمكن أن تنشئ مسؤوليته أمام المجهز:
- مخالفة تعليمات واضحة وصحيحة صادرة من المجهز.
- إهمال الإجراءات المينائية أو الجمركية الداخلة في نطاق تكليفه.
- سداد مبالغ أو إبرام معاملات دون سند أو خارج حدود التفويض.
- إهمال تحصيل مبالغ عهد إليه بتحصيلها.
- التأخر غير المبرر في تنفيذ إجراء يترتب عليه غرامة أو تعطيل للسفينة.
- إصدار مستند أو بيان بصورة خاطئة نتيجة تقصير يمكن نسبته إليه.
وفي هذه العلاقة يكون أساس المسؤولية في الأصل تعاقديًا؛ لأن الضرر ينشأ عن إخلال الوكيل بالتزام ناشئ عن عقد الوكالة الملاحية.
رابعًا: مسؤولية وكيل السفينة أمام الشاحن أو المرسل إليه
وضع المشرع قاعدة خاصة في المادة 143، فنص على أن وكيل السفينة لا يسأل قبل الشاحنين أو المرسل إليهم عن هلاك أو تلف البضائع التي يتسلمها لشحنها أو التي يتولى تفريغها لتسليمها لأصحابها إلا عن خطئه الشخصي وخطأ تابعيه.
وهذه القاعدة ذات أهمية كبيرة؛ لأنها تمنع تحميل الوكيل تلقائيًا المسؤولية المقررة للناقل عن كل فقد أو تلف يقع للبضاعة.
ولكي تقوم المسؤولية الشخصية للوكيل تجاه صاحب البضاعة يجب – بحسب الأحوال – إثبات:
- وقوع خطأ يمكن نسبته إلى الوكيل نفسه أو إلى أحد تابعيه.
- وقوع ضرر محقق.
- وجود علاقة سببية بين الخطأ والضرر.
فإذا وقع التلف أثناء الرحلة البحرية بسبب إخلال يرجع إلى الناقل أو السفينة ولم يكن للوكيل أي خطأ مستقل فيه، فلا تتحول المسؤولية إلى الوكيل لمجرد أنه يمثل المجهز في ميناء الوصول.
خامسًا: تمثيل المجهز أمام القضاء لا يجعل الوكيل مدينًا شخصيًا
تنص المادة 144 على اعتبار وكيل السفينة نائبًا عن المجهز في الدعاوى التي تقام منه أو عليه في جمهورية مصر العربية، كما يعد موطن وكيل السفينة في مصر موطنًا للمجهز في إعلان الأوراق القضائية وغير القضائية.
لكن هذه النيابة القضائية لا تعني أن أموال الوكيل تصبح ضامنة تلقائيًا لديون المجهز.
وقد أكدت محكمة النقض هذا المعنى بوضوح في الطعن رقم 2429 لسنة 69 قضائية بجلسة 26 فبراير 2002، إذ قررت أن نيابة وكيل السفينة وفق المادة 144 تتعلق بالصفة الإجرائية في مباشرة الخصومة، وأن آثار العمل والأحكام تنصرف إلى الأصيل، فلا يسأل الوكيل في أمواله الخاصة عن الديون التي تنشغل بها ذمة المجهز.
وهذه قاعدة عملية شديدة الأهمية: يجوز اختصام وكيل السفينة بوصفه ممثلًا للمجهز، لكن لا يجوز الخلط بين هذه الصفة وبين مقاضاته شخصيًا باعتباره المدين بالتعويض، ما لم يوجد أساس مستقل لمسؤوليته الشخصية.
سادسًا: حكم النقض بشأن الوكيل الملاحي وأموال المجهز
سبق لمحكمة النقض كذلك في الطعن رقم 1203 لسنة 60 قضائية، جلسة 24 نوفمبر 1994، أن تناولت مركز الوكيل الملاحي للسفينة الأجنبية.
وأكدت المحكمة أن الوكيل ينوب عن صاحب السفينة في مباشرة ما يتعلق بنشاطها في مصر ويمثله في الدعاوى المرتبطة بهذا النشاط، ولكن الحقوق والالتزامات الناشئة عن التصرفات التي يبرمها النائب باسم الأصيل تنصرف في الأصل إلى الأصيل.
ومن ثم لا يصبح الوكيل مدينًا شخصيًا بديون مالك السفينة لمجرد قيامه بتمثيله.
ويجب التنبيه إلى أن واقعة هذا الحكم كانت خاضعة للتشريع البحري السابق على قانون التجارة البحرية الحالي، إلا أن قانون سنة 1990 جاء لاحقًا بنص صريح في المادة 144 يؤكد النيابة القانونية لوكيل السفينة أمام القضاء المصري.
سابعًا: من هو الناقل الذي يسأل عن تنفيذ سند الشحن؟
لا يكفي ظهور الوكيل الملاحي في إجراءات الوصول أو إصداره إذنًا متعلقًا بالتسليم لاعتباره الناقل المسؤول عن عقد النقل.
وتحدد صفة الناقل من سند الشحن وعقد النقل والظروف القانونية التي صدر فيها السند.
وقد تناولت محكمة النقض هذه المسألة في الطعن رقم 632 لسنة 57 قضائية بجلسة 11 ديسمبر 1995.
وكان سند الشحن في تلك الدعوى يحمل اسم شركة معينة وصدر موقعًا من وكيلها، ولم يتضمن ما يدل على أن من أصدره كان يتصرف نيابة عن ملاك السفينة الأصليين. فقضت المحكمة بأن الشركة التي صدر سند الشحن باسمها هي المسؤولة أمام الغير عن تنفيذ الالتزامات المثبتة فيه وعن الفقد أو التلف.
وأكد الحكم أن مجرد قيام التوكيل الملاحي بإصدار إذن تسليم للبضاعة لا يكفي لتغيير هوية الناقل التي يكشف عنها سند الشحن.
وتكمن قيمة هذا الحكم في أنه يوجب تحديد صفة كل طرف أولًا قبل إقامة دعوى المسؤولية: هل وقع بصفته ناقلًا؟ أم نيابة عن الناقل؟ أم بوصفه وكيل سفينة فقط؟
ثامنًا: مسؤولية الوكيل عن أخطاء سندات الشحن والمستندات
قد يتولى وكيل السفينة، في حدود تفويضه، أعمالًا متعلقة بسندات الشحن أو أذون التسليم أو البيانات المقدمة للجهات المختلفة.
وهنا يجب التفرقة بين حالتين:
العمل باسم الناقل وفي حدود الوكالة
إذا حرر الوكيل مستندًا صحيحًا باسم الناقل وفي حدود التفويض، فإن آثاره القانونية تنصرف من حيث الأصل إلى الأصيل.
الخطأ الشخصي للوكيل
أما إذا ارتكب الوكيل خطأً مستقلًا، مثل إدخال بيانات غير صحيحة نتيجة إهمال، أو تجاوز حدود تفويضه، أو تنفيذ تسليم دون مستند قانوني أو تفويض صحيح، فقد يقوم أساس لمسؤوليته الشخصية إذا ترتب على ذلك ضرر.
ولا يصح وضع قاعدة مطلقة مؤداها أن التسليم لا يجوز إلا مقابل «أصل سند الشحن» في جميع الأحوال؛ إذ قد توجد ترتيبات تسليم إلكترونية أو Sea Waybill أو Telex Release أو غيرها من النظم المشروعة. العبرة بأن يكون التسليم قد تم لصاحب الحق وفق سند قانوني وتعليمات صحيحة.
تاسعًا: التسليم الخطأ للبضاعة
يعد التسليم من أكثر المراحل حساسية في عمل الوكيل الملاحي.
فإذا كان الوكيل مكلفًا بالتسليم بموجب المادة 141، وجب عليه التحقق – في الحدود التي يفرضها القانون والمستندات والعرف الملاحي – من وجود سند صحيح يخول المستلم الحصول على البضاعة.
وقد تتحقق مسؤوليته الشخصية، بحسب وقائع كل حالة، إذا:
- سلّم البضاعة إلى شخص لا يملك حق استلامها.
- تجاهل حظرًا أو تحفظًا أو تعليمات صحيحة كان ملزمًا بمراعاتها.
- فقد مستندات لازمة للتسليم نتيجة إهمال منه.
- أصدر إذن تسليم بناءً على مستند تبين بوضوح عدم صلاحيته وكان في إمكانه اكتشاف ذلك بالعناية المهنية المعتادة.
أما إذا كان سبب عدم التسليم أو التأخير راجعًا إلى الجمارك أو إدارة الميناء أو صاحب البضاعة أو قوة قاهرة أو جهة مستقلة لا يملك الوكيل السيطرة عليها، فلا تنشأ مسؤوليته لمجرد حدوث التأخير، وإنما يلزم إثبات خطأ يمكن نسبته إليه.
عاشرًا: تلف البضاعة أثناء عمليات الشحن والتفريغ
يجب هنا تحديد الشخص الذي كان يتولى العملية المادية وقت وقوع الضرر.
فالقانون خص المقاول البحري بتنظيم مستقل ابتداءً من المادة 148، باعتباره من يقوم بالعمليات المادية الخاصة بشحن البضائع على السفينة أو تفريغها منها.
ولهذا لا يجوز افتراض مسؤولية وكيل السفينة عن كل خطأ يرتكبه مقاول الشحن والتفريغ.
فإذا كان مرتكب الخطأ تابعًا للوكيل حقيقة، أمكن تطبيق المادة 143 بشأن خطأ تابعي الوكيل. أما إذا كان شركة مستقلة متعاقدًا معها، فيجب تحديد مسؤوليتها وفق مركزها كمقاول بحري والعقد الذي كلفت بمقتضاه بالعمل، مع بحث ما إذا كان هناك خطأ مستقل من وكيل السفينة في الاختيار أو التعليمات أو الإشراف متى كان ذلك داخل نطاق التزاماته.
الحادي عشر: أخطاء الوكيل أمام سلطات الميناء والجمارك
يؤدي الوكيل الملاحي عمليًا عددًا كبيرًا من الإجراءات أمام إدارات الموانئ والجهات المختصة، بحسب نطاق الترخيص والوكالة.
فإذا قدم بيانات غير صحيحة، أو أهمل ميعادًا ملزمًا، أو أخطأ في إجراء عهد إليه به وترتب على ذلك غرامة أو احتجاز أو تأخير أو مصروفات إضافية، فقد يسأل أمام المجهز عن الضرر باعتباره وكيلًا مأجورًا.
وقد تقوم كذلك مسؤوليته تجاه الغير متى توافرت أركان المسؤولية الشخصية في مواجهته.
لكن يجب عدم تحميله تلقائيًا جميع الضرائب أو الرسوم أو الغرامات أو الديون المستحقة أصلًا على المجهز أو الناقل لمجرد أنه ممثله المحلي.
الثاني عشر: اتفاقية هامبورج ومسؤولية وكيل السفينة
مصر دولة متعاقدة في اتفاقية الأمم المتحدة للنقل البحري للبضائع لعام 1978 «قواعد هامبورج»، وقد دخلت الاتفاقية حيز النفاذ بالنسبة لمصر في 1 نوفمبر 1992.
وتنظم الاتفاقية بصورة أساسية مسؤولية الناقل والناقل الفعلي عن البضائع، ولا تحول وكيل السفينة لمجرد صفته هذه إلى ناقل بحري.
ومع ذلك، تتضمن المادة 7 من قواعد هامبورج حكمًا مهمًا إذا أقيمت دعوى على تابع أو وكيل للناقل بسبب فقد أو تلف البضاعة أو التأخير؛ إذ يجوز له – إذا أثبت أنه تصرف في نطاق وظيفته – الاستفادة من الدفوع وحدود المسؤولية التي تمنحها الاتفاقية للناقل، وذلك في الأحوال التي تنطبق فيها الاتفاقية.
ويفقد التابع أو الوكيل الحق في التمسك بهذه الحدود إذا ثبت توافر السلوك العمدي أو التهور المصحوب بإدراك احتمال حدوث الضرر وفق الشروط الواردة بالاتفاقية.
ومن ثم لا يصح القول إن قواعد هامبورج «لا تتناول الوكيل مطلقًا»، كما لا يصح في المقابل اعتبارها المصدر المباشر لكل مسائل مسؤولية وكيل السفينة في الميناء المصري.
الثالث عشر: القانون الواجب التطبيق على أعمال الوكيل البحري
وضع المشرع قاعدة خاصة في المادة 137 من قانون التجارة البحرية، تقضي بسريان قانون الدولة التي يقع فيها الميناء على العقود والأعمال التي يجريها الوكلاء البحريون والمقاولون البحريون في ذلك الميناء.
وبالتالي، إذا أجريت أعمال الوكالة الملاحية في ميناء مصري، يكون القانون المصري هو الأصل في تنظيم هذه الأعمال وفق المادة المذكورة، مع مراعاة الاتفاقيات الدولية النافذة والقواعد الخاصة التي قد تحكم عقد النقل نفسه.
الرابع عشر: تقادم المنازعات بين المجهز ووكيل السفينة
من النقاط العملية التي يجب الانتباه إليها المادة 139 من قانون التجارة البحرية، والتي تنص على انقضاء دعوى الموكل أو صاحب العمل على الوكيل البحري أو المقاول البحري بمضي سنتين من تاريخ استحقاق الدين.
لكن لا ينبغي تعميم هذه المدة على كل دعوى يمكن أن ترتبط بالوكيل الملاحي.
فمدة التقادم أو الانقضاء تتحدد بطبيعة الدعوى وصفة الخصوم والنص الذي يحكم المطالبة. لذلك يجب تحديد ما إذا كانت الدعوى بين الموكل ووكيله، أو مطالبة ناشئة عن عقد النقل البحري، أو دعوى مسؤولية شخصية من الغير، قبل تحديد الميعاد القانوني.
الخامس عشر: شروط الإعفاء أو تحديد مسؤولية الوكيل
يجوز لعقد الوكالة الملاحية أن ينظم توزيع المخاطر والمسؤولية بين المجهز والوكيل في الحدود التي يسمح بها القانون.
وقد يتضمن العقد مثلًا:
- سقفًا للتعويض عن بعض الأخطاء.
- استبعاد أنواع معينة من الأضرار غير المباشرة.
- إجراءات محددة للإخطار بالمطالبات.
- التزامًا بالتأمين ضد المسؤولية المهنية.
- تعويضًا من المجهز للوكيل عن المطالبات الناشئة عن تنفيذ تعليمات صحيحة صادرة منه.
لكن لا ينبغي صياغة شرط عام مفاده أن «الوكيل لا يتحمل أية مسؤولية مهما كان سبب الضرر» والافتراض أنه سيطبق في جميع الأحوال.
فالقواعد العامة في القانون المدني لا تجيز الاتفاق على الإعفاء من المسؤولية الناتجة عن الغش أو الخطأ الجسيم، كما أن المادة 143 أقامت أصلًا قانونيًا خاصًا لمسؤولية وكيل السفينة تجاه الشاحنين والمرسل إليهم عن خطئه الشخصي وخطأ تابعيه.
السادس عشر: هل يتحمل الوكيل ديون الناقل أو المجهز؟
الأصل: لا.
فالوكيل الذي يتصرف باسم المجهز وفي حدود صفته لا يتحول إلى مدين شخصي بالتزامات الأصيل.
وتجب التفرقة بين:
- اختصام الوكيل بصفته ممثلًا للمجهز: وهو ما تجيزه المادة 144.
- الحكم على الوكيل في أمواله الخاصة: وهذا يحتاج إلى أساس قانوني لمسؤوليته الشخصية، ولا يستند بمجرده إلى صفته كوكيل.
وقد أكدت محكمة النقض هذه التفرقة في أحكامها، وعلى الأخص الطعن رقم 2429 لسنة 69 قضائية المشار إليه.
السابع عشر: ترخيص الوكالة الملاحية في مصر
نشاط الوكالة الملاحية من الأنشطة المرتبطة بالنقل البحري التي لا يجوز مزاولتها في الموانئ المصرية إلا وفق نظام الترخيص المقرر.
وتنظم لائحة مزاولة الأنشطة والأعمال المرتبطة بالنقل البحري الصادرة بقرار وزير النقل رقم 800 لسنة 2016 هذا النشاط، ويقدم قطاع النقل البحري واللوجستيات حاليًا خدمة إصدار وتجديد ترخيص الوكالة الملاحية للعمل بالموانئ المصرية.
ولذلك ينبغي عند اختيار وكيل ملاحى التأكد من سلامة ترخيصه ونطاق النشاط المرخص به، وعدم الاكتفاء بمجرد وجود شركة أو مكتب يتعامل مع السفن.
الثامن عشر: هل غيّر تعديل قانون التجارة البحرية في 2025 مسؤولية وكيل السفينة؟
صدر القانون رقم 3 لسنة 2025 بتعديل بعض أحكام قانون التجارة البحرية رقم 8 لسنة 1990.
لكن هذا التعديل لم يغير المواد المنظمة لوكيل السفينة أو وكيل الشحنة أو المقاول البحري؛ إذ تناول المادة 5 والبند الأول من المادة 11 المتعلقين أساسًا بجنسية السفينة وبعض صور تسجيل واستغلال السفن.
ومن ثم ما زالت المواد 137 إلى 149 تمثل الإطار التشريعي المباشر لأعمال الوكلاء البحريين والمقاولين البحريين في هذا الجانب.
التاسع عشر: كيف نحدد المسؤول في نزاع عملي؟
قبل رفع دعوى عن خطأ وقع في ميناء أو أثناء تسليم بضاعة، ينبغي الإجابة عن مجموعة من الأسئلة:
- من هو الناقل الوارد اسمه وصفته في سند الشحن؟
- من هو المجهز الفعلي للسفينة؟
- هل الشركة محل المطالبة وكيل سفينة أم وكيل شحنة أم مقاول بحري؟
- هل اختصمت بصفتها ممثلًا للأصيل أم بصفتها الشخصية؟
- في أي مرحلة وقع الضرر؟
- من كانت البضاعة في عهدته وقت وقوعه؟
- هل الخطأ صادر من الوكيل نفسه أم من أحد تابعيه أم من مقاول مستقل؟
- ما التعليمات والمستندات التي كانت تحت يد الوكيل؟
- هل توجد علاقة سببية مباشرة بين تصرفه والضرر؟
- ما القانون أو الاتفاقية التي تحكم عقد النقل والدعوى؟
وغالبًا ما يكون تحديد هذه العناصر أهم من مجرد معرفة اسم «التوكيل الملاحي» الذي ظهر في مستندات الميناء.
العشرون: أهم الاحتياطات التعاقدية في عقد الوكالة الملاحية
- تحديد نطاق أعمال الوكيل وصلاحياته بدقة.
- بيان الأشخاص المخولين بإصدار التعليمات إليه.
- تنظيم إصدار وتوقيع مستندات الشحن وأذون التسليم.
- تحديد إجراءات التعامل مع البضائع والمستندات الأصلية والإلكترونية.
- تنظيم الاستعانة بالمقاولين والمتعهدين المستقلين.
- وضع نظام واضح للموافقة على المصروفات والمدفوعات.
- تحديد المسؤولية عن الأخطاء التشغيلية وغرامات التأخير.
- إلزام الوكيل بالتأمين المناسب بحسب طبيعة نشاطه.
- تنظيم حفظ المستندات والسجلات وأدلة التسليم.
- تحديد آلية الإخطار بالمطالبات والنزاعات.
- مراعاة المواعيد القانونية القصيرة التي قد تحكم المنازعات البحرية.
خاتمة
يقوم نظام مسؤولية وكيل السفينة في القانون المصري على قاعدة دقيقة: الوكيل يمثل المجهز، لكنه لا يصبح هو المجهز ولا يتحمل تلقائيًا ديونه والتزاماته.
فأعمال الوكيل التي يجريها باسم الأصيل وفي حدود وكالته تنصرف آثارها في الأصل إلى الأصيل، بينما تقوم مسؤولية الوكيل الشخصية إذا ثبت خطؤه هو أو خطأ أحد تابعيه في الحالات التي نظمها القانون.
ولهذا فإن النزاع البحري لا ينبغي أن يبدأ بالسؤال: «من هو التوكيل الملاحي؟»، وإنما بالسؤال: من كان ملتزمًا بالفعل الذي أخل بتنفيذه، وبأية صفة كان يتصرف وقت وقوع الضرر؟
كما يجب التمييز بين وكيل السفينة والناقل ووكيل الشحنة والمقاول البحري، والرجوع إلى سند الشحن وعقد الوكالة ومستندات التسليم لتحديد المسؤول الحقيقي قبل إقامة الدعوى.
ويحرص مكتب الدكتور مصطفى الروبي على دراسة عقود النقل البحري والوكالات الملاحية ومستندات الشحن والتسليم لتحديد المركز القانوني لكل طرف وأساس المسؤولية قبل مباشرة المطالبات أو المنازعات القضائية.