السبت إلى الخميس، 9:00 صباحًا - 6:00 مساءً

الرؤى القانونية

القانون البيئي في مصر: رؤية قانونية شاملة للتحديات والحلول

يوم الأرض… من الوعي البيئي إلى المسؤولية القانونية

يحتفل العالم في الثاني والعشرين من أبريل من كل عام بـيوم الأرض، وهي مناسبة بدأت عام 1970 وأصبحت واحدة من أهم المحطات العالمية للتوعية بالمخاطر البيئية وضرورة حماية الموارد الطبيعية وحقوق الأجيال القادمة.

ولم تعد هذه المناسبة مجرد دعوة رمزية للحفاظ على الطبيعة؛ فالتلوث وتغير المناخ ونقص المياه وتدهور التنوع البيولوجي وإدارة المخلفات أصبحت قضايا ترتبط بالاقتصاد والاستثمار والصحة العامة والأمن الغذائي، وأصبحت القواعد البيئية جزءًا مباشرًا من البيئة القانونية التي تعمل فيها الشركات والمشروعات.

وقد اكتسب يوم الأرض دلالة خاصة في النظام الدولي للمناخ؛ إذ فُتح اتفاق باريس للمناخ للتوقيع في مقر الأمم المتحدة في 22 أبريل 2016، بعد اعتماده في ديسمبر 2015، وهو ما رسخ الصلة بين المناسبة والعمل الدولي الملزم في مواجهة تغير المناخ.

وسبق أن تناول الدكتور مصطفى الروبي هذه القضية في مقاله المنشور ببوابة أخبار اليوم بعنوان «في اليوم العالمي للأرض»، مؤكدًا أن حماية البيئة لم تعد التزامًا أخلاقيًا فحسب، وإنما أصبحت التزامًا قانونيًا واقتصاديًا ينبغي إدماجه في سياسات الدولة وقرارات الشركات.

الأساس الدستوري للحق في البيئة

لا تبدأ الحماية البيئية في مصر من قانون البيئة وحده؛ فقد منحها دستور 2014 أساسًا دستوريًا مباشرًا.

فنصت المادة 46 على أن لكل شخص الحق في بيئة صحية سليمة، وأن حمايتها واجب وطني، كما ألزمت الدولة باتخاذ التدابير اللازمة للحفاظ عليها وعدم الإضرار بها والاستخدام الرشيد للموارد الطبيعية بما يضمن تحقيق التنمية المستدامة وحقوق الأجيال القادمة.

كما تحمي المادة 45 البحار والشواطئ والبحيرات والممرات المائية والمحميات الطبيعية، وتحظر التعدي عليها أو تلويثها أو استخدامها فيما يتنافى مع طبيعتها.

وهذا يعني أن حماية البيئة ليست مجرد سياسة إدارية يجوز للدولة الأخذ بها أو تركها، وإنما التزام دستوري ينعكس على التشريع والقرارات الإدارية والتخطيط والاستثمار.

التحديات البيئية في مصر

تواجه مصر مجموعة من التحديات البيئية المتداخلة، تختلف في طبيعتها ومصادرها لكنها تلتقي جميعًا في أثرها على التنمية وجودة الحياة.

ومن أبرز هذه التحديات:

  • تلوث الهواء في المناطق الحضرية والصناعية.
  • إدارة المخلفات البلدية والصناعية والخطرة.
  • حماية نهر النيل والمجاري المائية والمياه الجوفية.
  • التلوث البحري والساحلي.
  • تدهور بعض النظم البيئية والتنوع البيولوجي.
  • التصحر وتدهور الأراضي.
  • مخاطر تغير المناخ وارتفاع درجات الحرارة.
  • ارتفاع مستوى سطح البحر وتأثر المناطق الساحلية.
  • زيادة الطلب على الموارد والطاقة مع النمو السكاني والعمراني.

ولذلك فإن القانون البيئي الحديث لم يعد قانونًا لمعاقبة المصنع الملوث فقط، بل أصبح شبكة من القواعد المنظمة للتخطيط والاستثمار والتراخيص والطاقة والمخلفات والمياه والنقل والصناعة.

قانون البيئة رقم 4 لسنة 1994… الإطار التشريعي الرئيسي

يمثل قانون البيئة رقم 4 لسنة 1994 وتعديلاته، وعلى الأخص القانون رقم 9 لسنة 2009 والقانون رقم 105 لسنة 2015، الإطار التشريعي الأساسي لحماية البيئة في مصر.

وقد أنشأ القانون جهاز شؤون البيئة وحدد اختصاصاته، ووضع قواعد لحماية الهواء والبيئة البحرية والموارد الطبيعية، وتنظيم التعامل مع المواد الخطرة، ومراقبة المنشآت ومصادر التلوث.

كما رتب منظومة للتفتيش البيئي والضبط القضائي ومتابعة المنشآت المخالفة، بحيث لا يقتصر دور الدولة على إصدار الموافقة عند بداية المشروع، بل يمتد إلى متابعة التزام المنشأة أثناء التشغيل.

تقييم الأثر البيئي… الحماية تبدأ قبل تشغيل المشروع

من أهم المبادئ التي يقوم عليها القانون المصري مبدأ الوقاية من الضرر قبل وقوعه، وهو ما يتجسد في نظام تقييم التأثير البيئي للمشروعات.

فالمشروع الذي قد تكون له آثار على البيئة لا ينبغي أن يبدأ أولًا ثم تُبحث آثاره لاحقًا، وإنما يجب دراسة التأثير المتوقع ومدى إمكانية الحد منه قبل التنفيذ.

وطور جهاز شؤون البيئة نظامًا لتصنيف المشروعات وفق حجم وآثار المخاطر البيئية المحتملة، ومن أبرز التصنيفات:

  • القائمة «أ»: للمشروعات ذات الآثار البيئية المحدودة.
  • القائمة «ب»: للمشروعات ذات التأثيرات المتوسطة المحتملة.
  • القائمة «ب محددة»: عندما تستلزم طبيعة المشروع دراسة جوانب بيئية معينة بصورة أكثر تفصيلًا.
  • القائمة «ج»: للمشروعات ذات التأثيرات البيئية الكبيرة المحتملة والتي تتطلب دراسة كاملة لتقييم التأثير البيئي.

ولا يعد هذا التصنيف إجراءً شكليًا؛ فقد تنتهي عملية التقييم إلى الموافقة على المشروع بشروط بيئية محددة أو إلى عدم الموافقة عليه إذا تعذر السيطرة على آثاره.

دراسة الأثر البيئي ليست مستندًا للحصول على الترخيص فقط

من الأخطاء العملية أن تتعامل بعض الشركات مع دراسة تقييم الأثر البيئي باعتبارها مستندًا يُعد مرة واحدة للحصول على الموافقة ثم يوضع في الأرشيف.

فالموافقة البيئية قد تتضمن اشتراطات تتعلق بطريقة التشغيل، أو نظم التحكم في الانبعاثات، أو معالجة الصرف والمخلفات، أو الرصد الدوري، وتصبح هذه الشروط جزءًا من التزام المشروع أثناء نشاطه.

وقد يؤدي تغيير النشاط أو زيادة الطاقة الإنتاجية أو إضافة خط إنتاج جديد إلى ضرورة مراجعة الموقف البيئي للمشروع والحصول على الموافقات اللازمة قبل التنفيذ.

التفتيش البيئي وخطط الإصحاح

يمارس جهاز شؤون البيئة وفروعه أعمال التفتيش الدوري أو الشامل، كما قد يتم التفتيش نتيجة شكوى أو واقعة بيئية.

وإذا كشفت عمليات التفتيش عن مخالفات، قد تلتزم المنشأة باتخاذ إجراءات لتوفيق أوضاعها وتقديم خطة للإصحاح البيئي وفقًا لطبيعة المخالفة والقرار الصادر من الجهات المختصة.

وتكمن أهمية المراجعة البيئية الداخلية في أنها تسمح للشركة باكتشاف المشكلة قبل أن تتحول إلى محضر مخالفة أو توقف للإنتاج أو نزاع قضائي.

صندوق حماية البيئة… لم ينشأ في 2015

من المهم تصحيح إحدى النقاط التي تتكرر في بعض الكتابات القانونية: صندوق حماية البيئة لم ينشأ بالقانون رقم 105 لسنة 2015.

فقد أنشئ الصندوق أصلًا بموجب قانون البيئة رقم 4 لسنة 1994، ثم عزز القانون رقم 9 لسنة 2009 وضعه بمنحه الشخصية الاعتبارية وتطوير آليات عمله.

ويهدف الصندوق إلى دعم الأنشطة والمشروعات ذات المردود البيئي، وتشجيع الاستثمار في مجالات الحد من التلوث والإنتاج الأنظف ونقل التكنولوجيا البيئية.

ومن صور الدعم التي استخدمها الصندوق المنح والقروض الميسرة ودعم الفائدة والمشاركة في بعض المشروعات وفق البرامج والشروط المقررة.

ماذا أضاف القانون رقم 105 لسنة 2015؟

جاء القانون رقم 105 لسنة 2015 بتعديلات مهمة على قانون البيئة، ومن أبرزها تنظيم أكثر تفصيلًا للتعامل مع الفحم والاشتراطات البيئية المرتبطة باستخدامه وتداوله واستيراده.

فأضيفت المادة 40 مكرر التي تحظر استيراد الفحم الحجري أو البترولي أو تداوله أو استخدامه دون موافقة جهاز شؤون البيئة، مع الالتزام بالاشتراطات والمعايير الواردة في اللائحة التنفيذية.

كما ربطت التعديلات عددًا من الخدمات والدراسات البيئية بمصروفات إدارية، ووسعت أدوات الدولة في متابعة النشاط البيئي.

لكن الهدف من تنظيم الفحم لم يكن حظره بالكامل أو اعتباره غير مشروع في ذاته، وإنما إخضاع استيراده وتداوله واستخدامه لشروط وضوابط بيئية تحد من مخاطره.

قانون المخلفات رقم 202 لسنة 2020… تحول مهم في المنظومة

من غير الممكن اليوم دراسة القانون البيئي المصري دون الإشارة إلى قانون تنظيم إدارة المخلفات رقم 202 لسنة 2020 ولائحته التنفيذية.

فالقانون أنشأ إطارًا مستقلًا لإدارة المخلفات بأنواعها، يقوم على تحديد مسؤوليات الجهات المختلفة، ودعم الاقتصاد الدائري، وإشراك القطاع الخاص، وتنظيم أنشطة جمع ونقل وتخزين ومعالجة وتدوير والتخلص النهائي من المخلفات.

كما يرتبط القانون بعمل جهاز تنظيم إدارة المخلفات، وأصبح عدد من الأنشطة المتعلقة بالمخلفات الخطرة وغير الخطرة يحتاج إلى تراخيص وموافقات محددة.

وهذا تطور مهم؛ لأن المخلفات لم تعد تُعامل على أنها مجرد نتيجة جانبية للنشاط الصناعي، بل أصبحت قطاعًا اقتصاديًا منظمًا يمكن من خلاله إعادة الاستخدام والتدوير واسترداد الموارد والطاقة.

المسؤولية عن المخلفات لا تنتهي بإخراجها من المصنع

يجب على المنشآت اختيار جهات مرخص لها قانونًا للتعامل مع المخلفات التي تنتج عن نشاطها، خاصة المخلفات الخطرة.

فمجرد تسليم المخلفات إلى مقاول غير مؤهل أو جهة غير مرخصة لا يوفر بالضرورة حماية قانونية للمنشأة إذا تبين لاحقًا التخلص منها بطريقة مخالفة.

ولهذا يجب أن تتضمن عقود إدارة المخلفات بنودًا واضحة بشأن التراخيص، وطريقة النقل والتخزين والتخلص النهائي، والمستندات التي تثبت تسلم المخلفات ومسارها.

حماية الشواطئ… الحظر ليس مطلقًا

يحمي القانون المصري المناطق الساحلية باعتبارها من أكثر النظم البيئية حساسية، لكنه لا يقرر حظرًا مطلقًا لكل بناء يقع داخل مسافة 200 متر من الشاطئ.

فالأدق أن التشريعات تحظر إقامة المنشآت والأعمال في نطاق الحظر الساحلي إلا بعد الحصول على الموافقات المقررة قانونًا.

وقد قرر قانون البيئة، بالتكامل مع قانون الموارد المائية والري رقم 147 لسنة 2021 ولائحته التنفيذية، نطاقًا يصل في الأصل إلى مائتي متر من خط الشاطئ إلى داخل اليابسة، مع تحديد خط الحظر النهائي بالتنسيق بين الجهات المختصة وفق الدراسات.

كما يحظر إجراء الأعمال التي تؤدي إلى المساس بخط المسار الطبيعي للشاطئ أو تعديله إلا بعد الحصول على الموافقات اللازمة.

وهذا يعني أن المشروع الساحلي يحتاج إلى دراسة قانونية وبيئية خاصة قبل شراء الأرض أو اعتماد المخطط، لأن ملكية الأرض وحدها لا تكفي لمنح حق البناء.

التلوث البحري ومسؤولية السفن

يخصص قانون البيئة جزءًا مهمًا لحماية البيئة البحرية من التلوث، وينظم تصريف الزيوت والمواد الضارة والمخلفات من السفن والمنشآت البحرية.

وتزداد أهمية هذه الأحكام بالنسبة لمصر بسبب امتلاكها سواحل ممتدة على البحرين المتوسط والأحمر، ووجود قناة السويس وعدد كبير من الموانئ.

وقد يؤدي حادث تلوث بحري إلى أكثر من نوع من المسؤولية في الوقت نفسه: مسؤولية إدارية أو جنائية وفق التشريعات الوطنية، إلى جانب مسؤوليات مدنية وتعويضية وفق الاتفاقيات الدولية التي تكون مصر طرفًا فيها بحسب طبيعة الحادث والسفينة والملوث.

ولهذا فإن شركات الملاحة والموانئ ومقدمي الخدمات البحرية يحتاجون إلى خطط طوارئ وتأمينات مناسبة وإجراءات واضحة للإبلاغ والاستجابة للحوادث.

المحميات الطبيعية والتنوع البيولوجي

يتكامل قانون البيئة مع القانون رقم 102 لسنة 1983 في شأن المحميات الطبيعية، الذي يوفر حماية خاصة للمناطق التي تتميز بقيمة بيئية أو جيولوجية أو بيولوجية.

ولا يجوز ممارسة بعض الأنشطة أو إقامة مشروعات داخل المحميات إلا وفق التصاريح والاشتراطات التي تحددها الجهات المختصة.

وتكتسب هذه الحماية أهمية اقتصادية كذلك؛ فالمحميات والشعاب المرجانية والموارد الطبيعية تمثل جزءًا من المقومات السياحية لمصر، وتدهورها لا يمثل خسارة بيئية فحسب بل خسارة مباشرة لقطاع السياحة والاقتصاد المحلي.

تغير المناخ والإطار القانوني المصري

لا يوجد حتى الآن قانون مصري واحد شامل لتنظيم جميع جوانب تغير المناخ، لكن مصر تمتلك إطارًا مؤسسيًا وتشريعيًا واستراتيجيًا متناميًا.

فإلى جانب قانون البيئة، أنشئ المجلس الوطني للتغيرات المناخية منذ عام 2015، وأعيد تنظيمه في 2019، ليكون إطارًا للتنسيق بين الجهات الحكومية المعنية.

كما أطلقت الدولة الاستراتيجية الوطنية لتغير المناخ في مصر 2050، التي تتناول النمو منخفض الانبعاثات والتكيف مع الآثار المناخية والحوكمة والتمويل والبحث العلمي.

وقد قدمت مصر كذلك تحديثها الثاني لمساهمتها المحددة وطنيًا حتى عام 2030 في يونيو 2023 في إطار اتفاق باريس.

اتفاق باريس… ما الالتزام الحقيقي؟

اتفاق باريس لا ينص ببساطة على منع ارتفاع الحرارة العالمية عن 1.5 درجة مئوية بصورة مطلقة؛ وإنما يستهدف إبقاء ارتفاع متوسط درجة الحرارة العالمية أقل بكثير من درجتين مئويتين فوق مستويات ما قبل الثورة الصناعية، مع مواصلة الجهود لحصر الارتفاع عند 1.5 درجة.

ويقوم الاتفاق على تقديم الدول مساهماتها المحددة وطنيًا وتحديثها دوريًا، مع تعزيز الشفافية والإبلاغ والعمل على التكيف والتمويل.

وبالنسبة إلى مصر، تمثل الالتزامات المناخية تحديًا وفرصة في آن واحد، لأنها تتطلب استثمارات كبيرة، لكنها تفتح كذلك مجالات للطاقة النظيفة والتمويل الأخضر وخفض الانبعاثات.

مصر وسوق الكربون الطوعي

شهد عام 2024 تطورًا مهمًا بإطلاق أول سوق كربون طوعي منظم ومراقب في مصر تحت رقابة الهيئة العامة للرقابة المالية، بالتعاون مع الجهات المعنية.

وتقوم الفكرة على تسجيل مشروعات خفض الانبعاثات والتحقق منها وإصدار شهادات تمثل وحدات خفض قابلة للتداول وفق القواعد التنظيمية.

ويحول ذلك خفض الانبعاثات – في بعض الحالات – من مجرد تكلفة امتثال إلى أصل اقتصادي يمكن أن يحقق عائدًا للمشروع إذا استوفى معايير التسجيل والتحقق.

لكن شهادات الكربون ليست إعفاءً من الالتزام بقانون البيئة؛ فالشركة لا تستطيع تلويث البيئة ثم شراء شهادات كربون باعتبارها بديلًا عن الامتثال للقواعد القانونية.

التشريعات البيئية والاستثمار… العلاقة تغيرت

كان بعض المستثمرين ينظر إلى البيئة باعتبارها بندًا إضافيًا في التكاليف أو عقبة أمام سرعة تنفيذ المشروع، لكن الأسواق والتمويل الدولي يغيران هذه النظرة بصورة متسارعة.

فالمنشأة التي تتمتع بكفاءة في استخدام الطاقة والمياه، وتدير مخلفاتها بصورة سليمة، وتخفض انبعاثاتها، قد تكون أكثر قدرة على:

  • الحصول على التمويل الأخضر.
  • التصدير إلى أسواق ذات متطلبات بيئية متقدمة.
  • التعامل مع شركات دولية تفرض شروطًا على سلاسل التوريد.
  • تجنب تكاليف المخالفات والتوقف والإصلاح.
  • تحسين تقييم المخاطر في صفقات الاستثمار والاستحواذ.

ومن هنا أصبحت المخاطر البيئية جزءًا من الفحص القانوني والمالي لأي مشروع جاد.

الفحص البيئي في صفقات الاستحواذ

عندما يشتري المستثمر مصنعًا أو أرضًا صناعية، لا يكفي فحص عقد الملكية والسجل التجاري والضرائب.

فقد تنتقل إليه شركة لديها مخالفات بيئية سابقة أو أرض ملوثة أو التزامات مكلفة لمعالجة المخلفات، بما يؤثر على قيمة الصفقة.

ولهذا يجب أن يشمل Environmental Due Diligence، بحسب طبيعة المشروع:

  • الموافقات ودراسات التأثير البيئي.
  • تقارير التفتيش السابقة.
  • خطط الإصحاح البيئي.
  • سجلات المخلفات الخطرة وغير الخطرة.
  • تصاريح تداول المواد الخطرة.
  • نتائج قياس الانبعاثات والصرف.
  • أي نزاعات أو شكاوى بيئية قائمة.

وقد تؤدي نتيجة هذا الفحص إلى تعديل سعر الصفقة أو طلب ضمانات وتعويضات من البائع قبل إتمامها.

العقود يجب أن توزع المسؤولية البيئية بوضوح

العديد من المشروعات تعتمد على مقاولين وموردين ومشغلي مصانع وشركات إدارة مخلفات. ومن ثم فإن المخاطر البيئية لا يجب أن تترك للقواعد العامة وحدها.

ويفضل أن تتضمن العقود تحديدًا واضحًا لـ:

  • الطرف المسؤول عن استخراج التصاريح.
  • الالتزام بالاشتراطات البيئية.
  • إدارة المخلفات ونقلها.
  • الإبلاغ عن الحوادث والتسربات.
  • تكلفة معالجة التلوث.
  • المسؤولية عن الغرامات الناتجة عن خطأ أحد المتعاقدين.
  • حق الطرف الآخر في التفتيش وطلب المستندات.
  • التأمين ضد بعض المخاطر البيئية متى كان مناسبًا.

فالعبارة العامة التي تقول إن «المقاول يلتزم بالقوانين» قد لا تكون كافية عند وقوع حادث بملايين الجنيهات.

العدالة البيئية… من يتحمل تكلفة التلوث؟

من المبادئ المهمة في السياسة البيئية أن تكلفة النشاط الملوث يجب ألا تنتقل بصورة كاملة إلى المجتمع.

فالمنشأة التي تحقق أرباحًا من نشاط يؤدي إلى تلوث الهواء أو المياه يجب أن تتحمل تكلفة الوقاية والمعالجة ضمن تكلفة تشغيلها، بدل ترك الدولة أو المواطنين يتحملون آثار النشاط.

وفي الوقت نفسه، يجب تطبيق القواعد بصورة عادلة وقابلة للتوقع، حتى يستطيع المستثمر معرفة المتطلبات والتكلفة قبل ضخ رأس المال.

ومن هنا يتحقق التوازن بين مبدأ الملوث يدفع وبين الحاجة إلى بيئة استثمارية واضحة ومستقرة.

ما الذي تحتاجه المنظومة البيئية خلال المرحلة المقبلة؟

تملك مصر منظومة تشريعية واسعة، لكن تحسين النتائج يتطلب التركيز على جودة التنفيذ أكثر من مجرد زيادة عدد النصوص.

ومن أهم الأولويات:

  1. استكمال رقمنة التراخيص والموافقات البيئية وربطها بالجهات الإدارية والاستثمارية الأخرى.
  2. تحديث الحدود والمعايير الفنية دوريًا بما يتلاءم مع التكنولوجيا وتطور الصناعة.
  3. توسيع نظم الرصد الذاتي والإلكتروني للانبعاثات في المنشآت ذات المخاطر المرتفعة.
  4. تطوير إدارة المخلفات على أساس الاقتصاد الدائري واسترداد الموارد.
  5. دعم الشركات الصغيرة والمتوسطة فنيًا وماليًا للامتثال بدل الاقتصار على العقوبات.
  6. تعزيز الشفافية ونشر البيانات البيئية بما يساعد المواطن والمستثمر وصانع القرار.
  7. رفع كفاءة الخبرات الفنية والقانونية في المنازعات البيئية المعقدة.
  8. إدماج المخاطر المناخية بصورة أكبر في تخطيط المشروعات والبنية الأساسية.

تشديد العقوبات وحده ليس الحل

العقوبة ضرورية عندما يقع الاعتداء على البيئة، لكن بناء منظومة فعالة لا يقوم على الغرامات وحدها.

فإذا كانت إجراءات الترخيص غامضة أو كانت التكنولوجيا النظيفة مرتفعة التكلفة ولا توجد أدوات تمويل، فقد لا يؤدي رفع الغرامة وحده إلى حل المشكلة.

والسياسة الأكثر فاعلية تجمع بين:

  • قواعد واضحة.
  • رقابة فعلية.
  • عقوبات رادعة عند المخالفة.
  • حوافز للاستثمار الأخضر.
  • تمويل لتحديث المصانع.
  • مساعدة فنية للمنشآت على توفيق أوضاعها.

فالهدف النهائي ليس جمع أكبر قدر من الغرامات، وإنما منع التلوث من الأساس.

دور المواطن والمجتمع المدني

لا تتحمل الحكومة والشركات المسؤولية وحدهما. فالسلوك الفردي يؤثر في استهلاك المياه والطاقة وإنتاج المخلفات والحفاظ على الأماكن العامة.

كما يستطيع المواطن تقديم الشكاوى والبلاغات البيئية عبر القنوات المخصصة لدى جهاز شؤون البيئة، بينما تلعب الجامعات والجمعيات الأهلية والإعلام دورًا في الرصد والتوعية والدراسات العلمية.

لكن مشاركة المجتمع المدني يجب أن تستند إلى بيانات صحيحة وخبرة فنية، حتى تتحول الرقابة المجتمعية إلى عنصر مساعد للإنفاذ لا إلى مصدر لمعلومات غير دقيقة.

دور مكتب الدكتور مصطفى الروبي – محامون ومستشارون

يرى مكتب الدكتور مصطفى الروبي – محامون ومستشارون أن القانون البيئي لم يعد مجالًا منفصلًا عن قانون الشركات والاستثمار والعقود والنقل البحري والعقارات.

فالقرار الاستثماري قد تتغير جدواه بالكامل بسبب التزام بيئي لم يُدرس منذ البداية، كما أن صفقة استحواذ ناجحة تجاريًا قد تتحول إلى عبء إذا انتقلت مع الشركة مسؤوليات تلوث أو مخالفات غير مكتشفة.

ومن مجالات الدعم القانوني التي يحتاج إليها العملاء في هذا المجال:

  • مراجعة الموافقات ودراسات تقييم التأثير البيئي.
  • إجراء الفحص القانوني البيئي للمشروعات وصفقات الاستحواذ.
  • مراجعة عقود إدارة ونقل المخلفات.
  • صياغة بنود المسؤولية البيئية في عقود المقاولات والتشغيل والتوريد.
  • التعامل مع قرارات التفتيش وخطط الإصحاح البيئي.
  • تقديم المشورة للمشروعات الساحلية والصناعية والبحرية.
  • دراسة الجوانب القانونية لمشروعات خفض الانبعاثات وشهادات الكربون.
  • إدارة المنازعات المتعلقة بالتلوث والأضرار البيئية.

والأصل أن تدخل المستشار القانوني في مرحلة تصميم المشروع أقل تكلفة بكثير من تدخله بعد وقوع المخالفة أو توقف النشاط.

مسؤولية مشتركة نحو المستقبل

تؤكد التجربة المصرية أن حماية البيئة لا تتحقق بنص قانوني منفرد. فهناك قانون البيئة وقانون المخلفات وقانون الموارد المائية وقواعد حماية الشواطئ والمحميات، إلى جانب السياسات المناخية والتزامات مصر الدولية.

والتحدي الحقيقي هو جمع هذه الأدوات في منظومة تنفيذية متناسقة تسمح بالتنمية والاستثمار، لكن دون نقل تكلفتهما البيئية إلى الأجيال المقبلة.

كما يجب على القطاع الخاص أن ينتقل من مفهوم «الامتثال عند التفتيش» إلى مفهوم الإدارة البيئية المستمرة، بحيث تصبح كفاءة الطاقة والمياه والمخلفات والانبعاثات جزءًا من قرارات الإدارة اليومية للشركة.

الخاتمة

يقدم يوم الأرض فرصة للتذكير بأن العلاقة بين القانون والبيئة تغيرت بصورة عميقة. فحماية البيئة لم تعد ملفًا هامشيًا يدار بعد انتهاء عملية التنمية، بل أصبحت شرطًا من شروط التنمية نفسها.

وقد قطعت مصر خطوات تشريعية مهمة منذ صدور قانون البيئة رقم 4 لسنة 1994، مرورًا بتعديلات 2009 و2015، ثم قانون تنظيم إدارة المخلفات رقم 202 لسنة 2020، وتطوير نظم تقييم الأثر البيئي والتفتيش، وإطلاق الاستراتيجية الوطنية لتغير المناخ 2050 وسوق الكربون الطوعي.

لكن قوة المنظومة لا تقاس بعدد القوانين بقدر ما تقاس بقدرتها على منع الضرر قبل وقوعه، ومحاسبة المخالف، ومساعدة المشروع الجاد على الامتثال، وتحويل حماية البيئة إلى عنصر تنافسي في الاقتصاد.

ومن هنا فإن القانون البيئي في مصر يقف أمام مرحلة جديدة: مرحلة تنتقل فيها البيئة من بند في ملف الترخيص إلى عنصر أساسي في الاستثمار والتمويل والتجارة وإدارة المخاطر.

ويؤكد الدكتور مصطفى الروبي أن حماية الموارد الطبيعية وحق المواطن في بيئة سليمة ليست مسؤولية الدولة وحدها، بل مسؤولية مشتركة بين المشرع والإدارة والقضاء والشركات والمجتمع؛ لأن التنمية التي تستهلك موارد المستقبل لتحقيق مكاسب الحاضر لا يمكن وصفها بالتنمية المستدامة.

د. مصطفى الروبي يكتب في جريدة أخبار اليوم – في اليوم العالمي للأرض

مصادر رسمية