السبت إلى الخميس، 9:00 صباحًا - 6:00 مساءً

الرؤى القانونية

الذكاء الاصطناعي يتطلع إلى صياغة قوانين المستقبل

مقدمة

يعيش العالم اليوم ثورة رقمية غير مسبوقة؛ فكما دفعت الثورة الصناعية المشرعين إلى تطوير قوانين العمل والملكية الصناعية والمسؤولية عن الآلات، تفرض ثورة الذكاء الاصطناعي إعادة النظر في عدد من المفاهيم القانونية التقليدية، من المسؤولية المدنية وحماية البيانات إلى الملكية الفكرية والشفافية في اتخاذ القرار.

ولم يعد الذكاء الاصطناعي مجرد أداة تقنية لتحسين الإنتاجية، بل أصبح قادرًا على تحليل كميات هائلة من التشريعات والأحكام والبيانات، والكشف عن أوجه التعارض والقصور، ومقارنة البدائل التشريعية، بل واقتراح صيغ أولية للنصوص القانونية. وهنا يظهر سؤال المستقبل: هل يمكن أن يشارك الذكاء الاصطناعي في صناعة القانون نفسه؟

وسبق أن تناول الدكتور مصطفى الروبي أثر التطورات التكنولوجية الحديثة على القواعد القانونية في مقالات سابقة، مؤكدًا أن سرعة الابتكار أصبحت تفرض على المشرع الانتقال من مجرد معالجة المشكلات بعد وقوعها إلى بناء تشريعات قادرة على استيعاب التطور قبل أن يتحول إلى أزمة.

ومن هذا المنطلق، لا تتعلق القضية باستبدال المشرع البشري بالآلة، وإنما بكيفية استخدام الذكاء الاصطناعي في تحسين جودة التشريع مع إبقاء القرار والمسؤولية النهائية في يد الإنسان.

الثورة الرقمية وتحديات التشريع

تثير أنظمة الذكاء الاصطناعي إشكاليات قانونية لا تقدم القواعد التقليدية دائمًا إجابات مباشرة عنها. فمن يتحمل المسؤولية إذا تسبب نظام ذاتي أو شبه ذاتي في ضرر؟ وما الحدود المقبولة لاستخدام الخوارزميات في التوظيف أو منح الائتمان أو الرعاية الصحية؟ وكيف نحمي البيانات الشخصية المستخدمة في تدريب النماذج؟ ومن يملك المحتوى الناتج بمساعدة الذكاء الاصطناعي؟

وتزداد المسألة تعقيدًا في أنظمة التعلم العميق، حيث يصعب أحيانًا تفسير الطريق الذي أدى بالنموذج إلى نتيجة معينة، وهي المشكلة المعروفة اصطلاحًا بـ«الصندوق الأسود».

ولا يعني علاج هذه المشكلة أن تلتزم الشركات دائمًا بالكشف للجمهور عن الشفرة المصدرية أو الأسرار التقنية الخاصة بأنظمتها؛ فهذا قد يتعارض مع حقوق الملكية الفكرية والأسرار التجارية والأمن السيبراني. وإنما يتمثل التحدي في بناء مستوى مناسب من التوثيق والشفافية وقابلية التفسير والتدقيق يتناسب مع خطورة القرار الذي يتخذه النظام.

فليس من المنطقي إخضاع تطبيق يقترح موسيقى للمستخدم للقيود ذاتها المفروضة على نظام يساعد في اتخاذ قرار يتعلق بالتوظيف أو الائتمان أو الخدمات العامة.

الاتحاد الأوروبي وقانون الذكاء الاصطناعي

يمثل قانون الذكاء الاصطناعي للاتحاد الأوروبي (EU AI Act) أبرز التجارب التشريعية الشاملة في هذا المجال. وقد دخل القانون حيز النفاذ في 1 أغسطس 2024، وبدأ تطبيق أحكامه بصورة مرحلية، وأصبح الجزء الأكبر منه واجب التطبيق اعتبارًا من 2 أغسطس 2026، مع مواعيد انتقالية خاصة لبعض الالتزامات.

ويقوم النظام الأوروبي على منهج يعتمد بصورة أساسية على مستوى المخاطر. فهناك ممارسات يعتبرها القانون غير مقبولة ويحظرها، وأنظمة عالية المخاطر تخضع لالتزامات مشددة، وحالات تتطلب التزامًا بالشفافية، في مقابل استخدامات منخفضة المخاطر لا تخضع للدرجة نفسها من التنظيم.

وقد بدأت قواعد حظر بعض ممارسات الذكاء الاصطناعي ومتطلبات محو الأمية في مجال الذكاء الاصطناعي بالتطبيق منذ فبراير 2025، بينما أصبحت قواعد الحوكمة والالتزامات الخاصة بنماذج الذكاء الاصطناعي ذات الأغراض العامة نافذة منذ أغسطس 2025.

ماذا يعني «الذكاء الاصطناعي عالي المخاطر»؟

لا ينظر التنظيم الأوروبي إلى التقنية في ذاتها فقط، وإنما إلى السياق الذي تستخدم فيه والحقوق التي قد تتأثر بقرارها.

فالأنظمة المستخدمة في بعض المجالات الحساسة، مثل التوظيف والتعليم والبنية التحتية الحيوية وبعض الخدمات الأساسية، قد تخضع لضوابط أكثر صرامة، تشمل إدارة المخاطر، وجودة البيانات، والتوثيق، وحفظ السجلات، والأمن السيبراني، والرقابة البشرية.

وهذه الفلسفة التشريعية مهمة للدول التي تعمل على إعداد قوانينها؛ لأنها تتجنب خطأين متقابلين: ترك التقنية بلا ضوابط، أو إخضاع جميع تطبيقاتها لقيود صارمة تعرقل الابتكار.

الرقابة البشرية لا تزال جوهر النظام القانوني

من أبرز المبادئ التي تطرحها التشريعات الحديثة ضرورة المحافظة على دور الإنسان في القرارات عالية التأثير.

فالذكاء الاصطناعي قد يستطيع تحليل آلاف الوقائع والمستندات في ثوانٍ، لكنه لا يتحمل المسؤولية القانونية أو الأخلاقية بالطريقة التي يتحملها الإنسان أو الشخص الاعتباري الذي قرر استخدامه.

ومن هنا تظهر أهمية Human Oversight أو الرقابة البشرية؛ أي وجود شخص مؤهل يستطيع فهم حدود النظام، ومراجعة النتيجة، والتدخل أو وقف استخدام النظام عند ظهور خطر أو خطأ.

وكلما اقترب القرار من الحقوق الأساسية للأفراد، ازدادت أهمية ألا يتحول الإنسان إلى مجرد منفذ آلي لما تقوله الخوارزمية.

الشفافية والمساءلة في الأنظمة الذكية

لا يمكن مساءلة نظام أو المؤسسة التي تستخدمه إذا كان من المستحيل معرفة البيانات التي اعتمد عليها، والغرض من استخدامه، ومدى دقته، ومن يملك سلطة تعديل قراره.

ولهذا أصبحت حوكمة الذكاء الاصطناعي تعتمد على مجموعة من العناصر المتكاملة، من بينها:

  • تحديد الغرض المشروع من استخدام النظام.
  • تقييم المخاطر قبل تشغيله.
  • التحقق من جودة البيانات المستخدمة.
  • توثيق الاختبارات والنتائج والقيود التقنية المعروفة.
  • تحديد الشخص أو الجهة المسؤولة عن تشغيل النظام.
  • توفير مستوى مناسب من الرقابة البشرية.
  • وضع إجراءات لمعالجة الأخطاء والشكاوى.

وهكذا تتحول المساءلة من سؤال بسيط هو «من أخطأ؟» إلى منظومة أوسع تبحث في تصميم النظام وتدريبه وتشغيله والرقابة عليه.

التحيز الخوارزمي ومبدأ المساواة

لا يعني كون القرار صادرًا عن خوارزمية أنه قرار محايد.

فالخوارزمية تتعلم من البيانات التي تُقدم إليها، وإذا كانت البيانات التاريخية تعكس أنماطًا من التمييز أو عدم التوازن، فقد تعيد الأداة إنتاج هذه الأنماط بصورة أكثر سرعة واتساعًا.

وتظهر هذه المشكلة بوضوح في مجالات مثل التوظيف، والتقييم الائتماني، والتأمين، وبعض الخدمات العامة. ولذلك يجب ألا يقتصر فحص النظام على نسبة دقته التقنية، وإنما يجب قياس أثره على فئات المستخدمين المختلفة واختبار احتمال وجود تحيز غير مشروع في النتائج.

فالعدالة الخوارزمية لا تتحقق بمجرد معاملة جميع البيانات بالطريقة نفسها؛ بل تتطلب التأكد من أن النموذج لا ينتج تمييزًا غير مشروع نتيجة لطريقة تصميمه أو البيانات التي بُني عليها.

هل يمكن منح الذكاء الاصطناعي شخصية قانونية؟

ظهر في النقاش الفقهي خلال السنوات الماضية اتجاه يتساءل عن إمكانية منح الأنظمة شديدة الاستقلال نوعًا من الشخصية القانونية، على غرار الشخصية الاعتبارية للشركات.

لكن هذا الطرح يثير إشكاليات جوهرية. فالشخصية الاعتبارية للشركة لا تقوم لأنها «تفكر» مثل الإنسان، وإنما لأنها أداة قانونية تحدد الحقوق والالتزامات والمسؤولية والأصول المالية التي يمكن التنفيذ عليها.

أما منح الذكاء الاصطناعي شخصية مستقلة فقد يؤدي، إذا أسيء تصميم النظام القانوني، إلى تحويل التقنية إلى حاجز يفصل بين المتضرر وبين الأشخاص الحقيقيين المسؤولين عن تطويرها أو تشغيلها أو الاستفادة منها.

ولهذا يبقى الاتجاه الأكثر واقعية هو تنظيم مسؤولية البشر والشركات والمؤسسات التي تطور أنظمة الذكاء الاصطناعي أو تستخدمها، بدل منح الآلة ذاتها مركزًا قانونيًا يسمح بنقل المسؤولية إليها.

هل يمكن للذكاء الاصطناعي أن يصبح مشرعًا؟

يمكن للذكاء الاصطناعي أن يساعد المشرع في أعمال كانت تتطلب وقتًا وجهدًا كبيرين، مثل مقارنة آلاف النصوص، ورصد التعارض بين القوانين واللوائح، وتحليل الأحكام القضائية، ودراسة أثر التشريع، ومقارنة تجارب الدول، واقتراح صياغات بديلة.

لكن صياغة القانون ليست مسألة لغوية أو إحصائية فقط.

فكل تشريع يتضمن اختيارًا بين مصالح متعارضة، وتحديدًا لأولويات المجتمع، وموازنة بين الحرية والأمن، وبين حماية العامل ومرونة صاحب العمل، وبين الخصوصية والاستفادة من البيانات، وبين الابتكار وحقوق أصحاب المصنفات.

وهذه اختيارات سياسية وقانونية وأخلاقية يجب أن يتحمل الإنسان مسؤوليتها. ولذلك فإن النموذج الأكثر منطقية للمستقبل هو المشرع المعزز بالذكاء الاصطناعي، وليس المشرع المستبدل بالذكاء الاصطناعي.

الإمارات وتجربة «الذكاء التشريعي»

قدمت دولة الإمارات العربية المتحدة في عام 2025 تجربة متقدمة في هذا الاتجاه، عندما اعتمد مجلس الوزراء إنشاء مكتب الذكاء التشريعي وإطلاق منظومة تشريعية ذكية متكاملة قائمة على أدوات الذكاء الاصطناعي.

وتقوم الفكرة على ربط التشريعات الاتحادية والمحلية بالأحكام القضائية والإجراءات والخدمات والبيانات، بحيث تستطيع المنظومة رصد أثر القوانين واكتشاف الفجوات والتعارضات واقتراح تحديثات تشريعية.

وأعلنت الحكومة الإماراتية أن استخدام هذه الأدوات يستهدف تسريع دورة البحث والصياغة والتقييم وإصدار التشريعات بنسبة قد تصل إلى 70%.

وتكمن أهمية التجربة في أنها لا تمنح الخوارزمية سلطة إصدار القانون، وإنما تستخدمها كأداة لتحسين الاستخبارات التشريعية Regulatory Intelligence مع بقاء السلطة الدستورية في التشريع واتخاذ القرار لدى المؤسسات البشرية المختصة.

الملكية الفكرية في عصر الذكاء الاصطناعي

تعد الملكية الفكرية من أكثر المجالات التي أثار فيها الذكاء الاصطناعي أسئلة قانونية صعبة، سواء فيما يتعلق بالمحتوى الذي تنتجه النماذج أو بالمصنفات التي تستخدم في تدريبها.

وقد أصدر مكتب حقوق الطبع والنشر الأمريكي في يناير 2025 الجزء الثاني من تقريره بشأن الذكاء الاصطناعي وحقوق المؤلف، وانتهى إلى أن استخدام الذكاء الاصطناعي كأداة مساعدة لا يمنع الحماية، لكن المادة التي ينتجها النظام بصورة آلية بحتة دون قدر كافٍ من الإبداع البشري لا تتمتع في ذاتها بحق المؤلف وفق القانون الأمريكي.

وأكد التقرير كذلك أن مجرد كتابة التعليمات أو Prompts لا تكفي في الظروف التقنية الحالية وحدها لإثبات السيطرة الإبداعية المطلوبة، بينما قد تحظى بالحماية العناصر التي أبدعها الإنسان بنفسه، أو الاختيار والترتيب الإبداعي، أو التعديلات البشرية الجوهرية على المخرجات.

وهذا أكثر دقة من اعتبار كل محتوى شارك الذكاء الاصطناعي في إنتاجه محميًا أو غير محمي بصورة مطلقة؛ إذ تتوقف المسألة على مقدار المساهمة البشرية وطبيعتها.

القانون المصري والذكاء الاصطناعي

حتى أغسطس 2026، لا يوجد في مصر قانون أفقي شامل نافذ ينظم جميع تطبيقات الذكاء الاصطناعي على غرار قانون الاتحاد الأوروبي.

لكن هذا لا يعني وجود فراغ قانوني كامل؛ إذ تخضع استخدامات الذكاء الاصطناعي بحسب طبيعتها لعدد من التشريعات القائمة، ومن أهمها:

  • قانون حماية البيانات الشخصية رقم 151 لسنة 2020.
  • قانون مكافحة جرائم تقنية المعلومات رقم 175 لسنة 2018.
  • قانون تنظيم الاتصالات رقم 10 لسنة 2003.
  • قانون حماية حقوق الملكية الفكرية رقم 82 لسنة 2002.
  • القواعد العامة للمسؤولية المدنية والعقود وحماية المستهلك.
  • التشريعات القطاعية في المجالات المالية والمصرفية والصحية وغيرها بحسب طبيعة التطبيق.

وبالتالي فإن عدم وجود «قانون واحد للذكاء الاصطناعي» لا يعني أن استخدام التقنية خارج نطاق المسؤولية القانونية.

مصر تنتقل من المبادئ الأخلاقية إلى إطار للحوكمة

بدأت مصر بناء إطارها الوطني للذكاء الاصطناعي بصورة تدريجية. ففي عام 2023 أصدر المجلس الوطني للذكاء الاصطناعي الميثاق المصري للذكاء الاصطناعي المسؤول، متضمنًا مبادئ تتعلق بالعدالة والشفافية والمساءلة والخصوصية والأمن والمسؤولية البشرية.

ثم صدرت النسخة الثانية من الاستراتيجية الوطنية للذكاء الاصطناعي 2025–2030، والتي وضعت ضمن أهدافها إنشاء نظام وطني لحوكمة الذكاء الاصطناعي، وتطوير إطار تنظيمي، والعمل على صياغة قانون مصري للذكاء الاصطناعي.

وفي مارس 2026 صدر دليل إطار حوكمة الذكاء الاصطناعي الوطني في مصر، وهو تطور مهم لأنه ينتقل من المبادئ العامة إلى منهج أكثر تفصيلًا لتصنيف المخاطر ووضع متطلبات للحوكمة والامتثال.

والدليل ليس قانونًا ملزمًا في ذاته، لكنه ينص صراحةً على أن تطبيق آليات الحوكمة الواردة فيه سيُستخدم في صياغة قانون الذكاء الاصطناعي المصري مستقبلًا.

مصر تتجه إلى تنظيم قائم على المخاطر

تكشف الوثائق الوطنية الحديثة عن اتجاه واضح للاستفادة من فلسفة التنظيم القائم على المخاطر، بحيث لا تخضع جميع أنظمة الذكاء الاصطناعي للعبء التنظيمي ذاته.

وهذا الاتجاه مناسب لطبيعة السوق؛ إذ يسمح بتشجيع الابتكار في التطبيقات منخفضة المخاطر، مع رفع مستوى الالتزامات كلما ارتفعت احتمالات التأثير على السلامة أو الحقوق الأساسية أو المصالح العامة.

وفي يناير 2026 تطور كذلك البناء المؤسسي للدولة، مع توسيع نطاق المجلس الوطني ليصبح المجلس الوطني للذكاء الاصطناعي والحوسبة الكمية والتكنولوجيات البازغة، بما يعكس اتساع نطاق الحوكمة إلى تقنيات أخرى شديدة التطور.

ما الذي يجب أن يتضمنه قانون الذكاء الاصطناعي المصري؟

يرى مكتب الدكتور مصطفى الروبي – محامون ومستشارون أن القانون المصري المنتظر يجب ألا يكون مجرد نسخة من تشريع أجنبي، بل ينبغي أن يستفيد من التجارب الدولية مع مراعاة طبيعة الاقتصاد والإدارة والمجتمع المصري.

ومن أهم الموضوعات التي ينبغي تنظيمها:

  • تعريف نطاق القانون وتحديد الأنظمة والجهات الخاضعة له.
  • تصنيف الأنظمة بحسب المخاطر بدل فرض الالتزامات ذاتها على جميع التطبيقات.
  • تحديد المسؤولية القانونية بين المطور والمورد والمشغل والمستخدم المهني.
  • حماية البيانات والخصوصية في مراحل التدريب والتشغيل.
  • مواجهة التحيز والتمييز الخوارزمي في القرارات المؤثرة على الأفراد.
  • فرض التوثيق والشفافية المناسبة للأنظمة عالية المخاطر دون الإضرار غير المبرر بالأسرار التجارية.
  • ضمان الرقابة البشرية في القرارات الحساسة.
  • تنظيم المحتوى الاصطناعي والتزييف العميق في الحالات التي تهدد الحقوق أو الثقة العامة.
  • وضع قواعد للملكية الفكرية تراعي استخدام الذكاء الاصطناعي في الإبداع والتدريب.
  • إنشاء بيئات اختبار تنظيمية تسمح للشركات بتجربة الحلول الجديدة تحت إشراف الجهات المختصة.

الشفافية لا تعني كشف الأسرار التجارية

من المهم عند صياغة التشريع المصري ألا يقع المشرع في المبالغة في مفهوم الشفافية.

فإلزام كل شركة بنشر الخوارزمية أو الشفرة المصدرية الخاصة بها قد يهدد الملكية الفكرية والأمن السيبراني ويضعف القدرة التنافسية.

والبديل الأكثر توازنًا هو منح الجهات الرقابية، عند الحاجة، حق الوصول إلى المعلومات الفنية الضرورية للتدقيق، مع إلزام مقدم النظام بتقديم معلومات مفهومة للمستخدم حول طبيعة القرار والقيود الرئيسية ومخاطره، وفقًا لدرجة خطورة التطبيق.

المحاكم ومهنة المحاماة أمام الذكاء الاصطناعي

يمثل القطاع القانوني نفسه أحد المجالات المرشحة لتغير عميق بفعل الذكاء الاصطناعي. فالأدوات الحديثة تستطيع المساعدة في البحث القانوني، ومقارنة العقود، وفرز المستندات، واكتشاف التعارضات، وإعداد المسودات الأولية.

لكن الاعتماد غير المنضبط عليها يخلق مخاطر كبيرة، وفي مقدمتها الاستناد إلى معلومات أو أحكام غير صحيحة، وتسريب بيانات العملاء السرية، وعدم فهم السياق القانوني، وتحويل الاجتهاد المهني إلى عملية آلية.

لذلك يجب أن يبقى المحامي مسؤولًا عن التحقق من كل نص أو حكم أو واقعة يقدمها إلى المحكمة أو العميل، ولا يجوز أن تتحول أداة الذكاء الاصطناعي إلى مصدر مستقل للثقة القانونية.

توصيات مكتب الدكتور مصطفى الروبي

يرى مكتب الدكتور مصطفى الروبي – محامون ومستشارون أن المرحلة المقبلة تستدعي عددًا من الأولويات العملية:

  1. استكمال إعداد قانون وطني للذكاء الاصطناعي قائم على المخاطر ومتسق مع الاستراتيجية الوطنية وإطار الحوكمة المصري.
  2. تحديد جهة أو منظومة رقابية واضحة مع توزيع الاختصاصات بدقة بين الجهة المركزية والهيئات القطاعية.
  3. اعتماد مبدأ الرقابة البشرية في الأنظمة التي تؤثر على الحقوق والحريات أو المصالح الجوهرية للأفراد.
  4. إلزام الجهات باستخدام تقييمات أثر قبل نشر الأنظمة عالية المخاطر.
  5. تطوير قواعد المسؤولية بحيث يعرف المتضرر الجهة التي يمكن الرجوع عليها ولا تضيع المسؤولية بين المطور والمستخدم والنظام.
  6. تدريب القضاة والمحامين والمشرعين والخبراء على فهم طبيعة الأنظمة الخوارزمية وطرق تقييم الأدلة الناتجة عنها.
  7. مراجعة منظومة الملكية الفكرية والبيانات بما يتلاءم مع الذكاء الاصطناعي التوليدي دون إضعاف حقوق المبدعين أو خنق الابتكار.
  8. دعم الشركات الناشئة من خلال بيئات اختبار تنظيمية تسمح بالابتكار الآمن قبل فرض أعباء امتثال واسعة.
  9. تعزيز التعاون العربي والدولي لأن أنظمة الذكاء الاصطناعي والبيانات لا تقف عند الحدود الوطنية.

هل سيكتب الذكاء الاصطناعي قوانين المستقبل؟

من المرجح أن يصبح الذكاء الاصطناعي حاضرًا بصورة متزايدة في عملية إعداد التشريعات: سيبحث، ويقارن، ويحلل، ويرصد أثر النصوص، ويقترح بدائل، وقد يساعد في إنتاج مسودات أكثر اتساقًا وأقل تعارضًا.

لكن القانون ليس مجرد نص جيد الصياغة. فهو تعبير عن إرادة المجتمع واختياراته وقيمه، ويحتاج إلى جهة تتحمل المسؤولية السياسية والدستورية عن تلك الاختيارات.

ولهذا فإن المسألة ليست في قدرة الذكاء الاصطناعي التقنية على اقتراح مادة قانونية؛ فهو يستطيع بالفعل المساهمة في ذلك. السؤال الحقيقي هو: من يقرر أن هذه المادة عادلة ومناسبة للمجتمع، ومن يتحمل مسؤولية آثارها؟

وهذه المسؤولية يجب أن تبقى بشرية.

خاتمة

دخل العالم بالفعل عصرًا جديدًا من «الذكاء التشريعي»، وأصبح من الممكن استخدام الذكاء الاصطناعي لتحليل التشريعات وتقييم آثارها وتسريع إعدادها بصورة لم تكن متاحة من قبل.

لكن أفضل تشريع للمستقبل لن يكون القانون الذي كتبته الآلة وحدها، ولا القانون الذي يتجاهل قدرات التكنولوجيا، وإنما القانون الذي يجمع بين قوة التحليل التي توفرها الآلة والحكم القانوني والأخلاقي الذي يبقى مسؤولية الإنسان.

وبالنسبة إلى مصر، فإن إصدار الاستراتيجية الوطنية للذكاء الاصطناعي 2025–2030، والميثاق المصري للذكاء الاصطناعي المسؤول، ثم إطار الحوكمة الوطني في 2026، يكشف أن الدولة انتقلت بالفعل من مرحلة الحديث عن التقنية إلى مرحلة بناء قواعد تنظيمها، فيما يظل إصدار تشريع وطني متكامل الخطوة المنتظرة لاستكمال هذه المنظومة.

ويؤكد مكتب الدكتور مصطفى الروبي – محامون ومستشارون – أن التحدي لا يتمثل في مقاومة الذكاء الاصطناعي أو منحه سلطة غير محدودة، وإنما في بناء قانون يسمح بالابتكار ويحدد المسؤولية ويحمي الإنسان.

فالذكاء الاصطناعي قد يساعد في صياغة قوانين المستقبل، لكن العدالة لا ينبغي أن تتحول إلى خوارزمية بلا مسؤول.

مصادر رسمية ومراجع