السبت إلى الخميس، 9:00 صباحًا - 6:00 مساءً

الرؤى القانونية

جريمة الاستيلاء على أموال البنوك والاحتيال المصرفي في القانون المصري

يستخدم تعبير «الاحتيال المصرفي» لوصف صور متعددة من السلوك الذي يستهدف أموال البنوك أو حسابات العملاء أو الخدمات المصرفية بوسائل غير مشروعة. غير أن القانون المصري لا يجمع هذه الوقائع في جريمة واحدة تحمل هذا الاسم وعقوبة موحدة.

فقد تشكل الواقعة جريمة نصب إذا استُخدمت طرق احتيالية لحمل البنك على تسليم المال، أو تزويرًا إذا قدمت مستندات مصطنعة أو مزورة، أو جريمة معلوماتية إذا تم الاستيلاء باستخدام بيانات بطاقات أو اختراق أنظمة إلكترونية، وقد تدخل في نطاق جرائم الاعتداء على المال العام إذا توافرت الشروط الخاصة التي يقررها قانون العقوبات.

ومن ثم فإن التكييف الصحيح يبدأ بتحديد صفة البنك، وطريقة الحصول على المال، وصفة الجاني، والوسائل المستخدمة، وطبيعة الأموال محل الجريمة.

متى يعد الحصول على أموال البنك جريمة نصب؟

تنظم المادة 336 من قانون العقوبات جريمة النصب، ولا يكفي لقيامها مجرد تقديم ادعاء غير صحيح أو عدم الوفاء بالتزام مالي.

فالجريمة تقتضي استعمال إحدى الوسائل الاحتيالية التي حددها القانون، على نحو يؤدي إلى خداع المجني عليه وحمله بسبب هذا الاحتيال على تسليم المال.

ومن ثم قد تقوم جريمة النصب إذا استخدم شخص مستندات أو مظاهر خارجية مصطنعة لإقناع البنك بوجود نشاط أو ضمانات أو مركز مالي غير حقيقي، وكان من شأن هذه الوسائل حمل البنك على صرف التمويل أو تسليم المال.

أما مجرد حصول العميل على قرض ثم تعثره في السداد فلا يكفي بذاته لإثبات النصب. ويجب الرجوع إلى الظروف القائمة وقت الحصول على التمويل لمعرفة ما إذا كانت هناك وسائل احتيالية سابقة أو معاصرة لتسليم المال.

ما المقصود بالطرق الاحتيالية؟

استقر قضاء محكمة النقض على أن مجرد الأقوال والادعاءات الكاذبة – مهما أصر صاحبها على صحتها – لا تكفي وحدها لتكوين الطرق الاحتيالية في جريمة النصب، وإنما يجب أن تقترن بأعمال مادية أو مظاهر خارجية تحمل المجني عليه على الاعتقاد بصحتها.

ولهذا تكتسب المستندات المصطنعة، والقوائم المالية غير الحقيقية، والضمانات المزورة، وإنشاء شركات أو معاملات صورية، وغيرها من المظاهر الخارجية أهمية في تحديد ما إذا كان السلوك قد تجاوز مجرد الكذب إلى الطرق الاحتيالية التي يتطلبها القانون.

الحصول على قرض بمستندات مزورة

إذا قدم طالب التمويل مستندات مزورة أو مصطنعة لإظهار ملاءة أو ضمان أو نشاط غير حقيقي، فقد تتعدد الجرائم بحسب ظروف الواقعة.

فقد تقوم جريمة تزوير أو استعمال محرر مزور إذا توافرت أركانها، وقد يشكل استخدام هذه المحررات كذلك إحدى الوسائل الاحتيالية في جريمة النصب إذا كانت هي التي دفعت البنك إلى تسليم المال.

ولا يجوز مع ذلك افتراض قيام الجريمتين تلقائيًا بمجرد وجود خطأ في أحد مستندات الملف. بل يجب إثبات تزوير المستند، وعلم مستخدمه بذلك، وصلته بقرار منح التمويل.

هل أموال جميع البنوك أموال عامة؟

لا. وهذه من أهم نقاط التكييف في قضايا الاستيلاء على أموال البنوك.

لا يكفي أن يكون المجني عليه «بنكًا» حتى تعتبر أمواله أموالًا عامة في مفهوم جرائم الباب الرابع من الكتاب الثاني من قانون العقوبات. وإنما يجب الرجوع إلى المادة 119 من قانون العقوبات لتحديد ما إذا كانت الأموال مملوكة لإحدى الجهات التي اعتبر القانون أموالها أموالًا عامة، أو كانت مملوكة لجهة تساهم فيها إحدى تلك الجهات على النحو الذي يحدده النص.

ويترتب على ذلك أن مركز البنك المملوك أو المرتبط بجهة عامة قد يختلف عن بنك خاص لا تتوافر بالنسبة إلى أمواله الشروط التي حددها القانون.

الاستيلاء على المال العام وتسهيله

إذا كانت أموال البنك من الأموال العامة في مفهوم المادة 119، وكان المتهم موظفًا عامًا أو ممن اعتبرهم القانون في حكم الموظفين العموميين وفق المادة 119 مكررًا، فقد تدخل الواقعة – بحسب صورتها – في نطاق جرائم الاختلاس أو الاستيلاء أو تسهيل الاستيلاء على المال العام المنصوص عليها في قانون العقوبات.

وتختلف جريمة اختلاس المال العام عن تسهيل استيلاء الغير عليه. ففي الاختلاس يكون المال قد دخل في حيازة الموظف بسبب وظيفته ثم تتجه إرادته إلى التصرف فيه باعتباره مالكًا له، بينما تقوم صورة تسهيل الاستيلاء عندما يستغل الموظف وظيفته لتمكين الغير من الحصول على المال بغير حق متى توافرت باقي أركان الجريمة.

ولذلك فإن وجود موظف بنك ضمن الواقعة لا يكفي وحده لتطبيق نصوص المال العام؛ بل يجب أولًا إثبات صفة المال وصفة الموظف ثم تحديد دوره الفعلي في الاستيلاء.

تواطؤ موظف البنك مع العميل

قد تكشف التحقيقات عن تواطؤ أحد العاملين بالبنك مع العميل للحصول على تمويل أو تحويل أموال بالمخالفة للحقيقة. ومن صور ذلك – بحسب كل واقعة – تمرير مستندات يعلم الموظف بتزويرها، أو تجاوز الموافقات الائتمانية عمدًا، أو اصطناع بيانات في النظام، أو تسهيل صرف المال رغم العلم بعدم استحقاقه.

لكن المسؤولية لا تقوم لمجرد أن الموظف شارك إداريًا في إجراءات التمويل. ويجب تحديد ما إذا كان يعلم بالمخطط، وما الفعل الذي ارتكبه أو سهله، وهل كانت له سلطة فعلية مكنت من وقوع الجريمة.

كما يختلف الوصف الجنائي باختلاف ما إذا كانت الأموال محل الواقعة أموالًا عامة أو خاصة.

الاستيلاء باستخدام الأنظمة الإلكترونية

إذا تم الاعتداء باستخدام الخدمات المصرفية الإلكترونية، فقد تنطبق إلى جانب قانون العقوبات أحكام قانون مكافحة جرائم تقنية المعلومات رقم 175 لسنة 2018.

ومن أبرز الأمثلة المادة 23 من هذا القانون، التي تجرم الوصول دون وجه حق إلى أرقام أو بيانات بطاقات البنوك والخدمات وأدوات الدفع الإلكتروني، وتشدد العقوبة إذا كان القصد الحصول على أموال أو خدمات ثم إذا تحقق الاستيلاء بالفعل.

وقد تنطبق نصوص أخرى عند اختراق الأنظمة أو الحسابات أو إتلاف البيانات أو تغييرها. لذلك فإن عبارة «التلاعب بالنظام الإلكتروني» لا تكفي وحدها كتكييف قانوني؛ وإنما يجب تحديد الفعل التقني الذي وقع والنص الذي يجرمه.

التحويلات المصرفية غير المشروعة

قد يقع الاستيلاء من خلال إصدار تعليمات تحويل غير حقيقية، أو الاستيلاء على بيانات اعتماد العميل، أو اختراق حسابه، أو تدخل موظف مخول في النظام وتحويل الأموال إلى حساب آخر.

ويختلف الوصف في كل صورة. فقد يتعلق الأمر بجريمة معلوماتية أو تزوير أو نصب أو خيانة أمانة أو إحدى جرائم المال العام، بحسب كيفية حيازة المال وصفة الجاني وطبيعة النظام الذي تم الاعتداء عليه.

ولهذا تكون سجلات النظام المصرفي وسجلات الدخول ووسائل التحقق وتعليمات التحويل والمسار الذي انتقلت خلاله الأموال من أهم الأدلة في هذه الوقائع.

الشيك بدون رصيد ليس صورة تلقائية من الاحتيال المصرفي

لا يصح إدراج إصدار شيك دون رصيد تلقائيًا ضمن جريمة الاستيلاء على أموال البنك. فالشيك له نظام قانوني مستقل، كما أن البنك المسحوب عليه لا يكون بالضرورة هو المجني عليه في الواقعة.

وقد تستخدم الشيكات كجزء من مخطط احتيالي في ظروف معينة، لكن عندئذ يجب تحديد الطرق الاحتيالية والمال الذي تم تسليمه وعلاقة الشيك بهذه الوسائل بدل وصف الواقعة بأنها احتيال مصرفي لمجرد وجود شيك.

هل وقوع الضرر شرط في جميع الصور؟

لا توجد إجابة واحدة؛ فالأمر يتوقف على الجريمة محل الاتهام.

في جريمة النصب يجب أن توجد رابطة سببية بين الاحتيال وبين تسليم المجني عليه للمال. أما بعض جرائم تقنية المعلومات فتجرم السلوك في مرحلة سابقة على الاستيلاء الفعلي، مثل الوصول دون حق إلى بيانات بطاقات الدفع، ثم تشدد العقوبة عند اتجاه القصد للحصول على الأموال، ثم عند تحقق الاستيلاء.

كذلك توجد جرائم في مجال الوظيفة العامة يكفي فيها تحقق الخطر أو محاولة الحصول على منفعة وفق شروط النص، دون اشتراط النتيجة نفسها التي تتطلبها جريمة أخرى.

ولهذا فإن القول بأن «الاستيلاء الإلكتروني جريمة حتى دون وقوع ضرر» يحتاج دائمًا إلى تحديد النص الجنائي المقصود.

هل التعثر في سداد القرض يعد احتيالًا؟

لا. الأصل أن علاقة القرض أو التمويل علاقة تعاقدية، وقد يتعثر العميل لأسباب اقتصادية أو تجارية دون أن تكون هناك جريمة.

ويتحول الأمر إلى المجال الجنائي عندما توجد أفعال تستوفي نموذجًا تجريميًا مستقلًا، كاستخدام طرق احتيالية منذ البداية، أو تقديم مستندات مزورة مع العلم بها، أو التواطؤ للاستيلاء على المال، أو العبث المتعمد بالأنظمة المصرفية.

وهذه التفرقة مهمة حتى لا يتحول مجرد النزاع بشأن المديونية أو التعثر إلى اتهام جنائي دون توافر أركانه.

دور قواعد اعرف عميلك ومكافحة غسل الأموال

تلتزم البنوك بتطبيق قواعد التعرف على العملاء والتحقق من هوياتهم والمستفيدين الحقيقيين، وفهم طبيعة العلاقة المصرفية، ومتابعة العمليات وفق درجة المخاطر، وذلك في إطار قانون مكافحة غسل الأموال والتعليمات الرقابية الصادرة عن البنك المركزي المصري ووحدة مكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب.

كما توجد التزامات بالإبلاغ عن العمليات التي يشتبه في ارتباطها بغسل الأموال أو تمويل الإرهاب وفق النظام القانوني المقرر لذلك.

لكن هذه الالتزامات الوقائية لا تعني أن كل عملية احتيال مصرفي هي غسل أموال، أو أن مجرد عدم اعتياد العملية يكفي لإثبات جريمة. فلكل نظام قانوني شروطه وأركانه.

مسؤولية البنك تجاه العميل في عمليات الاحتيال

عندما يكون المال المستولى عليه مال العميل وليس البنك، تظهر مسألة مختلفة تتعلق بمدى مسؤولية البنك عن تنفيذ العملية.

ولا توجد قاعدة تجعل البنك مسؤولًا تلقائيًا عن كل عملية ينكرها العميل، أو تعفيه تلقائيًا منها. ويجب فحص طريقة اعتماد العملية، ووسائل التحقق المستخدمة، ومدى الالتزام بالقواعد الأمنية، وسلوك العميل، ووقت الإبلاغ، ومصدر الاختراق.

وقد تكون الواقعة نتيجة إفشاء العميل لرمز التحقق، أو اختراق جهازه، أو قصور أمني لدى أحد مقدمي الخدمة، أو تلاعب داخلي. ويختلف أثر كل صورة على المسؤولية المدنية والرقابية.

ما الأدلة الأساسية في قضايا الاحتيال المصرفي؟

  • ملف التمويل: بما يتضمنه من طلبات ومستندات ودراسات واعتمادات.
  • المستندات الأصلية: للتحقق من صحتها ومصدرها.
  • سجلات الحسابات: لتتبع حركة المال بعد صرفه أو تحويله.
  • سجلات النظام الإلكتروني: لمعرفة الحساب والجهاز والوقت والصلاحيات المستخدمة.
  • قرارات لجان الائتمان: إذا كان الاستيلاء مرتبطًا بتمويل أو تسهيل مصرفي.
  • المراسلات الداخلية: لتحديد علم العاملين وطبيعة دور كل منهم.
  • تقارير الفحص الفني: عند استخدام أنظمة إلكترونية أو بطاقات أو حسابات رقمية.
  • مسار الأموال: والحسابات المستفيدة والتحويلات اللاحقة.
  • صفة البنك والمال: إذا كان الاتهام مبنيًا على جرائم المال العام.

الاختصاص القضائي يختلف بحسب وصف الجريمة

لا يصح القول إن جميع جرائم الاحتيال على البنوك تدخل لمجرد ذلك في اختصاص المحكمة الاقتصادية.

فالاختصاص يتحدد بحسب النص القانوني الذي تقوم عليه الدعوى. وقد تدخل جرائم ناشئة عن تطبيق قانون مكافحة جرائم تقنية المعلومات أو بعض القوانين الاقتصادية في نطاق المحاكم الاقتصادية، بينما تخضع جرائم النصب العادية وفق قانون العقوبات أو جنايات الاعتداء على المال العام لقواعد الاختصاص المقررة لها.

ومن ثم يجب تحديد الجريمة أولًا قبل تحديد المحكمة المختصة.

أهم إجراءات الوقاية داخل البنوك والشركات

  • التحقق من هوية العميل والمستفيد الحقيقي: وفق القواعد الرقابية السارية.
  • فحص المستندات ومصادرها: خصوصًا في التمويلات ذات القيمة المرتفعة.
  • الفصل بين الصلاحيات: بحيث لا ينفرد موظف واحد بإنشاء العملية واعتمادها وتنفيذها.
  • مراقبة العمليات غير المعتادة: وفق طبيعة نشاط العميل ومستوى المخاطر.
  • تفعيل وسائل التحقق القوية: للعمليات المصرفية الإلكترونية.
  • تسجيل العمليات والصلاحيات: بما يسمح بتحديد مستخدم النظام وتوقيت تدخله.
  • مراجعة التمويلات بعد الصرف: للتحقق من الالتزام بغرض التمويل وشروط الموافقة متى كان ذلك مطلوبًا.
  • الإبلاغ الداخلي السريع: عن المؤشرات التي تدل على تواطؤ أو تزوير أو استيلاء.

الخلاصة

الاستيلاء على أموال البنوك والاحتيال المصرفي ليسا وصفًا جنائيًا واحدًا. فقد تكون الواقعة نصبًا، أو تزويرًا، أو جريمة معلوماتية، أو اعتداءً على مال عام، أو عدة جرائم مترابطة إذا توافرت أركان كل منها.

ولا يعد كل قرض متعثر نصبًا، ولا تعتبر أموال كل بنك أموالًا عامة، ولا يكفي وجود موظف بنك لإعمال أحكام جرائم الوظيفة العامة. كذلك فإن استخدام وسيلة إلكترونية لا يحدد وحده الوصف الجنائي.

ولهذا يبدأ التقييم القانوني الصحيح بأربعة أسئلة: لمن ينتمي المال؟ كيف حصل عليه المتهم؟ ما الوسيلة المستخدمة؟ وما دور كل شخص في الواقعة؟ ومن إجابة هذه الأسئلة يتحدد النص الجنائي والعقوبة والجهة القضائية المختصة.