السبت إلى الخميس، 9:00 صباحًا - 6:00 مساءً

الرؤى القانونية

قانون الإيجار الجديد وأثره على التطوير العقاري

دراسة ورؤية قانونية واقتصادية

شهدت مصر خلال عقود طويلة اختلالًا واضحًا في العلاقة بين بعض الملاك والمستأجرين الخاضعين لقوانين إيجار الأماكن الاستثنائية؛ إذ استمرت عقود كثيرة بقيم إيجارية ابتعدت تدريجيًا عن الواقع الاقتصادي، في الوقت الذي ارتفعت فيه تكاليف الصيانة والإدارة وتغيرت القيمة السوقية للعقارات بصورة كبيرة.

وقد ترتب على هذا الوضع آثار لم تقتصر على طرفي العلاقة الإيجارية، وإنما امتدت إلى الثروة العقارية نفسها، خاصة في عدد من المباني القديمة التي أصبحت عوائدها غير كافية للصيانة أو إعادة التأهيل، فضلًا عن بقاء بعض الوحدات خارج دورة التداول العقاري لفترات طويلة.

وفي عام 2025 حدث التحول التشريعي الأهم بصدور القانون رقم 164 لسنة 2025 بشأن بعض الأحكام المتعلقة بقوانين إيجار الأماكن وإعادة تنظيم العلاقة بين المؤجر والمستأجر، ونشره في الجريدة الرسمية بتاريخ 4 أغسطس 2025، والعمل به اعتبارًا من اليوم التالي.

ولا يقتصر أثر هذا القانون على تعديل الأجرة، بل وضع للمرة الأولى نهاية زمنية محددة للعقود الخاضعة له، ونظم مرحلة انتقالية لإعادة العلاقة الإيجارية تدريجيًا إلى إطار أكثر ارتباطًا بالقواعد العامة وحرية التعاقد.

وسبق أن تناول مكتب الدكتور مصطفى الروبي – محامون ومستشارون هذه القضية في عدد من المقالات والدراسات. كما تناول الدكتور مصطفى الروبي، بعد صدور القانون، أثره على القطاع العقاري في مقاله المنشور ببوابة أخبار اليوم الإلكترونية بتاريخ 22 سبتمبر 2025 بعنوان «قانون الإيجار الجديد وأثره على التطوير العقاري بين الفرص والتحديات». وتأتي هذه الدراسة لتوسع هذا التحليل من منظور قانوني وتنموي أكثر شمولًا.

خلفية تاريخية ومبررات الإصلاح

نشأت قوانين الإيجار الاستثنائية في ظروف اقتصادية واجتماعية مختلفة تمامًا عن الواقع الحالي، وكانت تستهدف حماية المستأجر في أوقات شهد فيها سوق الإسكان نقصًا وارتفاعًا في الطلب.

ومع مرور العقود، تحولت الحماية الاستثنائية في بعض الحالات إلى نظام طويل الأجل انفصلت فيه القيمة الإيجارية القانونية عن القيمة الاقتصادية الحقيقية للعين، كما انتقلت بعض العقود إلى أشخاص لم يكونوا أطرافًا في العلاقة الأصلية وفق قواعد الامتداد القانوني التي تطورت تشريعيًا وقضائيًا.

وقد ترتب على ذلك صراع مستمر بين اعتبارين مشروعين: الحق في الملكية من ناحية، والحماية الاجتماعية للمستأجر واستقرار الأسرة من ناحية أخرى.

وجاء القانون رقم 164 لسنة 2025 في محاولة لإعادة صياغة هذا التوازن، ليس بإلغاء النظام بصورة فورية، وإنما من خلال مرحلة انتقالية تجمع بين تعديل القيمة الإيجارية ووضع نهاية زمنية للعقود وتنظيم آليات اجتماعية لمساعدة المستأجرين في الانتقال إلى أوضاع جديدة.

ما العقود التي يسري عليها القانون رقم 164 لسنة 2025؟

حدد القانون نطاق تطبيقه بدقة، فنص على سريانه على الأماكن المؤجرة لغرض السكنى، وكذلك الأماكن المؤجرة للأشخاص الطبيعية لغير غرض السكنى، متى كانت خاضعة لأحكام القانونين رقمي 49 لسنة 1977 و136 لسنة 1981.

وهذه نقطة مهمة؛ لأن القانون لا يسري على جميع عقود الإيجار الموجودة في مصر، ولا على العقود الحديثة الخاضعة أصلًا للقانون المدني وقانون رقم 4 لسنة 1996.

وبالتالي فإن الخطوة الأولى في أي دراسة قانونية للعقار هي تحديد النظام الذي يخضع له العقد قبل تطبيق أحكام القانون الجديد عليه.

نهاية زمنية لعقود الإيجار القديم

يمثل هذا الحكم جوهر الإصلاح التشريعي.

فقد نصت المادة الثانية من القانون على انتهاء:

  • عقود الأماكن المؤجرة لغرض السكنى بعد سبع سنوات من تاريخ العمل بالقانون.
  • عقود الأماكن المؤجرة للأشخاص الطبيعية لغير غرض السكنى بعد خمس سنوات من تاريخ العمل بالقانون.

ويجوز بطبيعة الحال انتهاء العلاقة قبل ذلك إذا تراضى الطرفان.

وبذلك لم تعد العلاقة الإيجارية الاستثنائية مفتوحة زمنيًا إلى أجل غير معلوم؛ وإنما أصبحت هناك مدة انتقالية يستطيع خلالها المستأجر ترتيب أوضاعه، بينما يستطيع المالك التخطيط منذ الآن لمستقبل الأصل العقاري بعد انتهاء المدة.

ماذا يحدث بعد انتهاء السنوات السبع أو الخمس؟

لا يتحول عقد الإيجار القديم تلقائيًا إلى عقد جديد خاضع للقانون المدني.

الأدق قانونًا أن العقد القديم ينتهي بقوة القانون عند انتهاء مدته الانتقالية. فإذا أراد المالك والمستأجر استمرار العلاقة بعد ذلك، فيمكنهما إبرام عقد جديد بشروط يتفقان عليها وفق القواعد العامة المطبقة على عقود الإيجار الجديدة.

أما إذا لم يتم الاتفاق على عقد جديد، فيلتزم المستأجر برد العين عند انتهاء المركز الإيجاري القديم وفق الإجراءات التي رسمها القانون.

إعادة تحديد القيمة الإيجارية للوحدات السكنية

لم ينتظر المشرع انتهاء الفترة الانتقالية لتصحيح القيمة الإيجارية، وإنما وضع نظامًا يبدأ خلال فترة سريان العقود القديمة نفسها.

وتتشكل في كل محافظة لجان لحصر المناطق التي توجد بها وحدات سكنية خاضعة للقانون وتقسيمها إلى:

  • مناطق متميزة.
  • مناطق متوسطة.
  • مناطق اقتصادية.

وتراعي اللجان عدة معايير، منها الموقع الجغرافي، ومستوى البناء، ومساحات الوحدات، وتوافر المرافق، وشبكة الطرق ووسائل المواصلات والخدمات، إلى جانب القيمة الإيجارية السنوية للعقارات المبنية في المنطقة.

كيف تُحسب الأجرة الجديدة؟

حدد القانون القيمة الإيجارية للوحدات السكنية وفق تصنيف المنطقة على النحو الآتي:

  • المناطق المتميزة: عشرون مثل القيمة الإيجارية القانونية السارية، وبحد أدنى ألف جنيه شهريًا.
  • المناطق المتوسطة: عشرة أمثال القيمة الإيجارية القانونية السارية، وبحد أدنى أربعمائة جنيه شهريًا.
  • المناطق الاقتصادية: عشرة أمثال القيمة الإيجارية القانونية السارية، وبحد أدنى مائتين وخمسين جنيهًا شهريًا.

ولحين انتهاء لجان الحصر من التصنيف، وضع القانون نظامًا مؤقتًا لسداد مبلغ 250 جنيهًا شهريًا، مع تسوية الفروق بعد صدور قرار المحافظ المختص بحسب تصنيف المنطقة.

الوحدات غير السكنية

أما الأماكن المؤجرة للأشخاص الطبيعية لغير غرض السكنى، فقد حدد القانون قيمتها الإيجارية الجديدة بواقع خمسة أمثال القيمة الإيجارية القانونية السارية.

وتزداد القيم الإيجارية المقررة للوحدات السكنية وغير السكنية بعد ذلك بنسبة 15% سنويًا بصفة دورية.

وبذلك جمع القانون بين عنصرين: تصحيح فوري نسبي للقيمة الإيجارية، ثم زيادة دورية خلال الفترة الانتقالية.

السكن البديل… حماية اجتماعية وليست شرطًا عامًا للإخلاء

من أكثر النقاط التي تحتاج إلى ضبط قانوني القول إن القانون يمنع انتهاء العقد أو الإخلاء ما لم توفر الدولة مسكنًا بديلًا لكل مستأجر. وهذا غير دقيق.

فالمادة الثامنة من القانون منحت كل مستأجر أو من امتد إليه عقد الإيجار، قبل انتهاء الفترة الانتقالية، أحقية في طلب تخصيص وحدة سكنية أو غير سكنية من الوحدات المتاحة لدى الدولة، إيجارًا أو تمليكًا، وفق القواعد والشروط المنظمة.

وقد صدر بالفعل قرار مجلس الوزراء رقم 53 لسنة 2025 لتنظيم إجراءات تقديم الطلبات وترتيب الأولويات وأنظمة التخصيص، ومنها الإيجار، والإيجار المنتهي بالتملك، والتمويل العقاري، والتمليك النقدي أو بالتقسيط بحسب كل إعلان.

لكن هذه الآلية لا تعني أن انتهاء عقد الإيجار القديم معلق في جميع الحالات على تسليم وحدة بديلة أولًا؛ فالقانون وضع نهاية زمنية مستقلة للعقود، ونظم في الوقت نفسه برنامجًا اجتماعيًا لتخصيص وحدات متاحة للمستحقين.

الإخلاء قبل نهاية الفترة الانتقالية

استحدث القانون كذلك حالتين يمكن فيهما طلب الإخلاء قبل انقضاء السنوات السبع أو الخمس، مع عدم الإخلال بأسباب الإخلاء الأخرى المقررة بالقوانين السابقة.

وهما:

  1. ترك العين المؤجرة مغلقة لمدة تزيد على سنة دون مبرر.
  2. ثبوت امتلاك المستأجر أو من امتد إليه العقد وحدة أخرى قابلة للاستخدام في الغرض نفسه الذي أُعد من أجله المكان المؤجر.

وفي حالة الامتناع عن الإخلاء، أجاز القانون للمالك أو المؤجر اللجوء إلى قاضي الأمور الوقتية بالمحكمة التي يقع العقار في دائرتها لطلب إصدار أمر بالطرد، دون الإخلال بالحق في التعويض إذا كان له مقتض.

القانون رقم 165 لسنة 2025… ما علاقته بالإصلاح؟

صدر بالتزامن مع القانون رقم 164 لسنة 2025 قانون آخر هو القانون رقم 165 لسنة 2025، لكنه لا يُعد امتدادًا للفترة الانتقالية ولا ينظم عقود الإيجار القديم ذاتها.

فالقانون رقم 165 لسنة 2025 عدّل بعض أحكام القانون رقم 4 لسنة 1996، الذي يحكم الأماكن التي لم يسبق تأجيرها والأماكن التي انتهت أو تنتهي عقود إيجارها دون أن يكون لأحد حق البقاء فيها.

وأهم ما أضافه هو إلزام المستأجر أو خلفه بإخلاء المكان وردّه عند نهاية المدة المحددة في عقد الإيجار، مع منح المالك أو المؤجر – عند الامتناع – حق طلب أمر بالطرد من قاضي الأمور الوقتية، مع بقاء حق المستأجر في رفع دعوى موضوعية دون أن يترتب على رفعها وقف أمر الطرد بذاته.

والدلالة الاستثمارية لهذا القانون واضحة: تعزيز فكرة أن عقد الإيجار الحديث عقد محدد المدة يجب احترام نهايته، وهو ما يزيد من قابلية العلاقة الإيجارية للتوقع ويقلل مخاوف المستثمر من نشوء امتداد استثنائي جديد للعقود الحديثة.

القانون والتطوير العقاري… أين توجد العلاقة؟

قد يبدو القانون في ظاهره تنظيمًا لعلاقة بين مالك ومستأجر، لكن أثره يمتد إلى إدارة الأصول العقارية وتطوير المدن.

فوجود عقود ممتدة إلى أجل غير محدد بقيم إيجارية شديدة الانخفاض كان يجعل تقييم بعض العقارات قائمًا على حقيقة أن المالك يملك الرقبة دون قدرة عملية كاملة على إعادة توظيف العين أو تطويرها.

أما وجود نهاية زمنية معلومة للعقود فيسمح للملاك والمستثمرين والمطورين بإعداد خطط مستقبلية للأصل العقاري وفق جدول زمني يمكن توقعه.

وهنا تظهر أهمية القانون بالنسبة إلى Asset Management وإدارة الأصول؛ إذ أصبح من الممكن وضع تصور لما سيحدث للوحدات عند انتهاء العقود بدلًا من اعتبار الوضع الحالي دائمًا.

هل سيؤدي القانون إلى تحرير ملايين الوحدات فورًا؟

لا.

من المهم تجنب المبالغة في وصف الأثر الاقتصادي؛ فالقانون وضع مرحلة انتقالية تمتد سبع سنوات بالنسبة إلى الوحدات السكنية، وبالتالي لن تظهر غالبية آثار إعادة الوحدات إلى السوق دفعة واحدة.

كما أن بعض الوحدات قد يستمر إشغالها بعقود جديدة يتفق عليها المالك والمستأجر، وبعض العقارات قد تحتاج إلى ترميمات أو تسويات قانونية قبل إعادة استغلالها، وقد يفضل بعض الملاك البيع بدل التطوير.

لذلك فإن الأثر المتوقع سيكون تدريجيًا ومتفاوتًا حسب المنطقة وطبيعة العقار.

الفرصة الأولى: إعادة تأهيل المباني القديمة

تضم القاهرة والإسكندرية ومدن مصر القديمة مباني ذات مواقع وقيم معمارية مرتفعة، لكن بعضها يعاني ضعف الصيانة أو عدم ملاءمة الاستخدام الحالي لقيمته وموقعه.

ومع انتهاء بعض العلاقات الإيجارية خلال السنوات المقبلة، يمكن أن تظهر فرص لإعادة تأهيل هذه العقارات وتحسين كفاءتها، سواء لاستعمالها السكني أو الإداري أو التجاري أو الفندقي متى سمحت القواعد العمرانية والقانونية بذلك.

لكن استرداد الوحدة لا يعني حرية مطلقة في هدم العقار أو تغيير استعماله. فالعقارات التراثية والمناطق ذات الاشتراطات الخاصة تخضع لقوانين وقرارات أخرى يجب مراعاتها قبل أي مشروع تطوير.

الفرصة الثانية: زيادة قابلية الأصول للتمويل والاستثمار

كلما كان الوضع القانوني للعقار واضحًا، زادت قدرة المستثمر على تقييمه.

فالعقار المثقل بعلاقات إيجارية غير محددة النهاية يصعب تحديد التدفقات المالية المستقبلية الناتجة عنه، بينما تسمح المدة الانتقالية الحالية بوضع سيناريوهات أكثر وضوحًا لقيمته بعد انتهاء العقود.

وهذا قد يساعد مستقبلًا في:

  • إعادة تقييم بعض المحافظ العقارية القديمة.
  • دخول مستثمرين في مشروعات تطوير مشتركة مع الملاك.
  • استخدام العقارات بصورة أكثر كفاءة بعد انتهاء العلاقات القائمة.
  • تحسين القدرة على دراسة التمويل طويل الأجل للمشروعات العقارية.

الفرصة الثالثة: إعادة توظيف الوحدات التجارية والإدارية

التغيير لن يقتصر على الوحدات السكنية. فالأماكن المؤجرة للأشخاص الطبيعية لغير غرض السكنى تنتهي عقودها بعد خمس سنوات، وهي مدة أقصر من المدة السكنية.

وقد يفتح ذلك فرصًا أسرع نسبيًا في بعض الشوارع التجارية والمناطق المركزية لإعادة هيكلة المحال والمكاتب والوحدات المهنية القديمة.

لكن كل مشروع يجب أن يدرس طبيعة النشاط المسموح به، وتراخيص المحال، والحماية العمرانية، وحقوق الشاغلين، قبل اتخاذ قرار الاستثمار.

الفرصة الرابعة: التطوير بالمشاركة بدل البيع

ليس من الضروري أن يبيع المالك العقار بعد استرداده.

فقد يكون النموذج الأكثر جدوى في بعض الحالات هو الدخول في اتفاق تطوير مشترك مع شركة عقارية تتولى التمويل والترميم أو إعادة البناء – إذا كان ذلك جائزًا قانونًا – مقابل حصة في المشروع أو الوحدات أو الإيرادات.

وهذا النموذج يمكن أن يكون مفيدًا خصوصًا عندما يملك الورثة أصلًا عقاريًا ذا قيمة مرتفعة ولا يملكون التمويل أو الخبرة اللازمة لتطويره بأنفسهم.

التحدي الأول: الأثر الاجتماعي

القانون يعالج عقودًا استقرت عليها أوضاع أسر لسنوات طويلة. وبالتالي فإن الانتقال إلى السوق الحرة بعد انتهاء المرحلة الانتقالية قد يمثل عبئًا على أصحاب الدخول المحدودة، خاصة كبار السن وبعض الفئات الاجتماعية التي يصعب عليها تحمل القيم السوقية الحالية.

ولهذا فإن نجاح الإصلاح لا يقاس فقط بعدد الوحدات التي تعود إلى الملاك، بل بمدى قدرة منظومة السكن البديل والدعم الاجتماعي على التعامل مع المستحقين بصورة منظمة وشفافة.

التحدي الثاني: العرض لا يعني بالضرورة انخفاض الأسعار

زيادة الوحدات المتاحة في السوق قد تساعد في تحسين العرض، لكنها لا تعني تلقائيًا انخفاض أسعار البيع أو الإيجار.

فالسوق العقارية تتأثر أيضًا بتكلفة الأراضي والبناء والتمويل، ومعدلات التضخم، ومستوى الدخول، والموقع، والطلب على كل منطقة.

لذلك يجب التعامل بحذر مع التوقعات التي تعتبر قانون الإيجار القديم وحده حلًا لأزمة الإسكان أو ارتفاع الأسعار.

التحدي الثالث: الملكيات المجزأة

كثير من المباني القديمة انتقلت ملكيتها عبر الميراث إلى عدد كبير من الملاك على الشيوع. وحتى إذا انتهت عقود الإيجار، فقد تواجه عملية التطوير مشكلة عدم اتفاق جميع الملاك على البيع أو الهدم أو الترميم أو المشاركة مع مطور.

وهنا يصبح تنظيم الملكية قبل التطوير خطوة أساسية، من خلال حصر الورثة، وتحديد الأنصبة، والتعامل مع حالات الشيوع والقُصّر والرهون والحقوق العينية القائمة.

التحدي الرابع: سلامة المبنى والتراخيص

العقار الذي ظل عشرات السنوات دون صيانة كافية قد يحتاج إلى دراسة إنشائية شاملة قبل إعادة استغلاله.

وقد يكون قرار التطوير مقيدًا بقانون البناء، واشتراطات الارتفاعات، وتنظيم هدم المباني، وقواعد التنسيق الحضاري، وحماية المباني ذات الطراز المعماري المتميز.

ولذلك فإن دراسة المشروع لا تبدأ بعد استرداد آخر وحدة، بل يجب أن تبدأ قبل ذلك بسنوات لمعرفة البدائل القانونية والفنية الممكنة.

التحدي الخامس: المنازعات خلال المرحلة الانتقالية

من المتوقع أن تستمر المنازعات خلال السنوات المقبلة حول مسائل مثل:

  • من هو المستأجر أو صاحب الامتداد القانوني الصحيح.
  • تصنيف المنطقة والقيمة الإيجارية المستحقة.
  • إغلاق الوحدة دون مبرر.
  • امتلاك المستأجر وحدة أخرى قابلة للاستخدام.
  • التأجير من الباطن أو التنازل.
  • إجراءات الحصول على السكن البديل.

ومن ثم فإن المالك أو المستثمر الذي يشتري عقارًا مشغولًا بإيجارات قديمة يجب أن يجري فحصًا قانونيًا نافيًا للجهالة لكل وحدة على حدة، ولا يكتفي بالقول إن العقود ستنتهي بعد سنوات محددة.

الفحص القانوني للعقار أصبح أكثر أهمية

قبل شراء عقار قديم بهدف تطويره، يجب مراجعة عدة عناصر أساسية:

  • سند الملكية وتسلسلها.
  • عقود الإيجار وتواريخها.
  • هوية المستأجرين الحاليين وسند امتداد عقودهم.
  • القضايا والأحكام الصادرة بشأن الوحدات.
  • القيم الإيجارية المطبقة بعد القانون رقم 164 لسنة 2025.
  • وجود وحدات مغلقة أو غير مستغلة.
  • التراخيص والمخالفات البنائية.
  • حالة العقار الإنشائية.
  • خضوع المبنى لقواعد حماية التراث أو التنسيق الحضاري.
  • الجدول الزمني المتوقع لإمكان تسلم الوحدات فعليًا.

وهذا الفحص هو الذي يحدد ما إذا كان السعر المطلوب في العقار يعكس مخاطره القانونية الحقيقية.

كيف يستعد المالك من الآن؟

الفترة الانتقالية ليست فترة انتظار فقط، بل فرصة لإعداد العقار لمرحلة ما بعد الإيجار الاستثنائي.

ويُفضل للمالك:

  1. حصر جميع عقود الإيجار والمستأجرين والشاغلين الفعليين.
  2. تحديد القيمة الإيجارية الصحيحة لكل وحدة وفق تصنيف المنطقة.
  3. متابعة السداد والزيادات السنوية وإثبات أي تأخير.
  4. مراجعة الوحدات المغلقة والحالات التي تنطبق عليها المادة السابعة.
  5. دراسة الحالة الإنشائية والقانونية للعقار.
  6. إعداد تصور مسبق: بيع، تطوير، ترميم، تأجير جديد، أم مشاركة مع مطور.

كيف يستعد المطور العقاري؟

يوفر القانون فرصًا حقيقية، لكن المطور الذي يشتري العقار على افتراض أنه سيصبح خاليًا تلقائيًا في تاريخ معين قد يتحمل مخاطرة قانونية غير محسوبة.

لذلك يجب أن يبني المطور نموذج الاستثمار على سيناريوهات زمنية مختلفة، وأن يضع في الاعتبار تكاليف التقاضي والترميم والتراخيص وتسوية الملكية والشيوع، وليس سعر شراء المبنى فقط.

كما يمكن أن تظهر خلال السنوات المقبلة نماذج جديدة لشركات متخصصة في إعادة تأهيل العقارات القديمة وإدارة الأصول التاريخية والحضرية بدل الاقتصار على التطوير في المدن الجديدة.

دور الدولة خلال المرحلة الانتقالية

النجاح التشريعي يعتمد في النهاية على جودة التنفيذ.

ومن أهم الأولويات:

  • استكمال أعمال لجان تصنيف المناطق وإعلانها بوضوح.
  • تطوير منصة السكن البديل وتحديث الوحدات المتاحة.
  • توفير إجراءات شفافة لترتيب الأولويات.
  • الحد من التضارب في تفسير أحكام القانون بين الجهات المختلفة.
  • توعية الملاك والمستأجرين بالمواعيد والإجراءات الصحيحة.
  • ربط الإصلاح الإيجاري بسياسات الحفاظ على الثروة العقارية والمناطق القديمة.

رؤية مكتب الدكتور مصطفى الروبي – محامون ومستشارون

يرى مكتب الدكتور مصطفى الروبي – محامون ومستشارون أن القانون رقم 164 لسنة 2025 يجب ألا يُقرأ فقط باعتباره قانونًا لإنهاء الإيجارات القديمة، بل باعتباره بداية لمرحلة جديدة في إدارة جانب مهم من الثروة العقارية المصرية.

فالسنوات الانتقالية تتيح للملاك والمستثمرين إعداد الأصول قانونيًا وفنيًا بدل انتظار انتهاء العقود ثم اكتشاف وجود مشكلات في الملكية أو التراخيص أو حالة المبنى.

ويشمل الدعم القانوني في هذا المجال:

  • مراجعة المراكز القانونية للمستأجرين والشاغلين.
  • إجراء الفحص القانوني للعقارات المرشحة للاستثمار أو التطوير.
  • إدارة دعاوى الإخلاء والمنازعات المرتبطة بالقانون الجديد.
  • صياغة اتفاقات التسوية بين المالك والمستأجر.
  • مراجعة عقود شراء المباني القديمة وصفقات المشاركة في التطوير.
  • تنظيم علاقات الملاك على الشيوع والورثة.
  • صياغة عقود التطوير والإدارة والتأجير الجديدة.
  • تقديم المشورة للشركات العقارية بشأن الأثر القانوني للفترة الانتقالية على تقييم المشروعات.

الخاتمة

يمثل القانون رقم 164 لسنة 2025 تحولًا جوهريًا في تاريخ الإيجارات الاستثنائية في مصر؛ لأنه لم يقتصر على زيادة القيمة الإيجارية، وإنما وضع نهاية زمنية للعقود القديمة، وحدد مرحلة انتقالية لإعادة ترتيب العلاقة بين الملكية والسكن.

أما القانون رقم 165 لسنة 2025 فقد استكمل الصورة بالنسبة إلى العقود الخاضعة للقانون المدني، مؤكدًا مبدأ انتهاء عقد الإيجار الحديث عند نهاية مدته وإتاحة طريق إجرائي سريع لاسترداد العين عند الامتناع عن التسليم.

ومن منظور التطوير العقاري، فإن الأثر الأهم ليس عودة ملايين الوحدات إلى السوق بصورة مفاجئة، وإنما تحول الأصل العقاري من وضع غير محدد النهاية إلى أصل يمكن التخطيط لمستقبله ضمن جدول زمني قانوني معروف.

وهذا التحول قد يفتح المجال خلال السنوات المقبلة لإعادة تأهيل المباني القديمة، وزيادة الاستثمار في المناطق المركزية، وتحسين إدارة المحافظ العقارية، وإعادة توظيف وحدات سكنية وتجارية ظلت لعقود مقيدة بنظام استثنائي.

لكن الفرصة لا تخلو من مخاطر. فالملكية المجزأة، وحالة المباني، والتراخيص، والمراكز القانونية للشاغلين، والبعد الاجتماعي، كلها عوامل يجب أن تدخل في حساب المستثمر قبل اتخاذ قرار التطوير.

ومن هنا فإن نجاح القانون لن يقاس فقط بإنهاء عقود الإيجار القديم، وإنما بقدرته على تحقيق انتقال منظم وعادل يعيد الأصول العقارية إلى دورة الاستثمار دون إحداث اضطراب اجتماعي غير محسوب.

الدكتور مصطفى الروبي يكتب عن: قانون الإيجار الجديد وأثره على التطوير العقاري بين الفرص والتحديات