ومن المهم التمييز بين الجريمة التي يرتكبها موظف البنك، وبين المسؤولية المدنية التي قد يتحملها البنك تجاه العميل، وبين الجريمة التي يرتكبها الساحب بإصدار شيك دون مقابل وفاء. فهذه صور مختلفة، ولكل منها نصوصها وأركانها وآثارها القانونية.
أولًا: النص الجنائي الخاص بموظف البنك
تنص المادة 533 من قانون التجارة على معاقبة موظف البنك إذا ارتكب عمدًا أحد الأفعال التي حددها القانون في مجال التعامل بالشيكات.
وتشمل هذه الأفعال:
- التصريح على خلاف الحقيقة بعدم وجود مقابل وفاء للشيك أو بأن الموجود أقل من قيمته الحقيقية.
- رفض الوفاء بسوء نية بشيك له مقابل وفاء كامل أو جزئي، ولم يقدم بشأنه اعتراض صحيح.
- الامتناع عن وضع أو تسليم البيان الذي يفرضه القانون عند عدم الوفاء.
- تسليم العميل دفتر شيكات لا يتضمن البيانات الإلزامية التي أوجب القانون إثباتها على نماذج الشيكات.
وهذه الأفعال تمثل الجرائم المصرفية المباشرة التي نص عليها قانون التجارة بالنسبة إلى موظفي البنك في دورة الشيك.
ثانيًا: العقوبة المقررة لموظف البنك
تعاقب المادة 533 موظف البنك الذي يرتكب عمدًا إحدى هذه الأفعال بغرامة لا تقل عن ثلاثة آلاف جنيه ولا تجاوز عشرة آلاف جنيه.
كما جعل القانون البنك مسؤولًا بالتضامن مع الموظف المحكوم عليه عن سداد العقوبات المالية المحكوم بها.
ومن ثم فإن المسؤولية هنا لا تنشأ لمجرد وجود خطأ مصرفي؛ فالنص يشترط أن يكون الموظف قد ارتكب الفعل عمدًا.
ثالثًا: التصريح كذبًا بعدم وجود رصيد
إذا قدم الشيك إلى البنك وكان للحساب مقابل وفاء، ثم أصدر موظف البنك عمدًا بيانًا غير صحيح يفيد عدم وجود الرصيد أو وجود رصيد أقل من حقيقته، فإن هذا السلوك يدخل في نطاق المادة 533.
وتظهر أهمية هذا النص لأن بيان البنك عن عدم وجود مقابل الوفاء قد يترتب عليه آثار مدنية وتجارية وجنائية خطيرة بالنسبة إلى الساحب والحامل.
ولذلك جرم المشرع التصريح المخالف للحقيقة إذا صدر عمدًا من موظف البنك.
رابعًا: رفض الوفاء بشيك له مقابل وفاء
يقرر قانون التجارة مبدأ واضحًا مؤداه أن البنك لا يجوز له الامتناع عن الوفاء بشيك مستحق الوفاء في مصر متى كان لديه مقابل الوفاء، حتى ولو انقضى ميعاد تقديم الشيك، وذلك وفق المادة 506.
كما تعاقب المادة 533 الموظف الذي يرفض بسوء نية الوفاء بشيك له مقابل وفاء كامل أو جزئي، ما لم يوجد اعتراض صحيح يمنع الصرف.
ولذلك يجب التفرقة بين:
- الرفض المشروع: مثل عدم وجود مقابل وفاء أو وجود اعتراض صحيح أو عيب قانوني يمنع الصرف.
- الرفض بسوء نية: رغم وجود مقابل الوفاء وعدم وجود مانع قانوني.
والصورة الثانية هي التي تدخل في نطاق التجريم.
خامسًا: هل يلتزم البنك بصرف جزء من قيمة الشيك؟
أشار المشرع في المادة 533 إلى الشيك الذي له مقابل وفاء كامل أو جزئي، وهو ما يتصل بالقواعد المنظمة للوفاء الجزئي.
ويجب عند وجود رصيد يقل عن قيمة الشيك الرجوع إلى الأحكام التي تنظم الوفاء الجزئي وإثبات المتبقي، وعدم الاكتفاء برفض الشيك بصورة آلية إذا كان القانون يجيز للحامل اقتضاء الجزء المتاح.
سادسًا: الاعتراض على صرف الشيك
لا يجوز للساحب أو العميل أن يطلب من البنك وقف صرف الشيك لمجرد نشوء خلاف تجاري مع المستفيد.
وتنص المادة 507 من قانون التجارة على أن الاعتراض في وفاء الشيك لا يقبل إلا في حالات محددة هي:
- ضياع الشيك.
- إفلاس حامله.
- الحجر على الحامل.
فإذا قدم اعتراض لسبب آخر، أجاز القانون للحامل أن يلجأ إلى محكمة الأمور المستعجلة لطلب شطب الاعتراض ولو كانت هناك دعوى أصلية قائمة.
وبالتالي فإن البنك يجب أن يميز بين الاعتراض القانوني الصحيح وبين مجرد تعليمات صادرة عن الساحب لا تستند إلى إحدى الحالات التي يجيزها القانون.
سابعًا: هل يسأل البنك إذا صرف الشيك رغم وجود اعتراض؟
يتوقف الأمر أولًا على ما إذا كان الاعتراض صحيحًا ومقبولًا قانونًا.
فإذا كان الاعتراض قائمًا على سبب يجيزه القانون، فإن البنك ملزم بمراعاة أثره وفق النصوص المنظمة لذلك. أما إذا كان الاعتراض غير جائز قانونًا، فلا يتحول مجرد طلب العميل إلى مانع صحيح من الوفاء.
ولهذا لا يصح القول بصورة عامة إن البنك يكون مسؤولًا كلما صرف شيكًا رغم وجود طلب بوقفه؛ بل يجب أولًا تحديد مشروعية الاعتراض ذاته.
ثامنًا: صرف شيك مزور التوقيع
تختلف هذه الصورة عن الجرائم الواردة بالمادة 533. فإذا صرف البنك شيكًا يحمل توقيعًا مزورًا منسوبًا إلى العميل، فإن المسألة تتعلق أساسًا بعلاقة البنك بعميله ومدى صحة الخصم من الحساب.
وقد استقر قضاء محكمة النقض على أن توقيع الساحب شرط جوهري لوجود الشيك، وأن الورقة التي تحمل توقيعًا مزورًا لا تكون حجة على العميل المنسوب إليه التوقيع.
ومن ثم فإن وفاء البنك بقيمة شيك مذيل من الأصل بتوقيع مزور لا يبرئ ذمته تجاه العميل؛ لأن البنك يكون قد أوفى لمن لا صفة له في اقتضاء المال من حساب الساحب.
تاسعًا: هل يشترط خطأ البنك في حالة التوقيع المزور؟
من المبادئ المهمة التي قررتها محكمة النقض أن تبعة الوفاء بالشيك المزور لا تقوم فقط على إثبات تقصير البنك في فحص التوقيع.
فالأصل أن البنك لا يجوز له خصم قيمة ورقة لم تصدر أصلًا عن عميله. ولذلك قررت المحكمة أن وفاء البنك بقيمة شيك يحمل توقيعًا مزورًا لا يبرئ ذمته تجاه العميل ولو تم الوفاء دون خطأ من البنك.
ويختلف ذلك عن الحالات التي يكون فيها للعميل نفسه خطأ مستقل ساهم في وقوع الضرر، كالإهمال في حفظ دفتر الشيكات، حيث يجب عندئذ فحص أثر هذا الخطأ ومدى ارتباطه بالضرر وفق القواعد المدنية والعقدية.
عاشرًا: لا يصح وصف صرف الشيك المزور بأنه جريمة تلقائيًا
صرف البنك لشيك مزور قد يؤدي إلى مسؤوليته المدنية، لكنه لا يجعل الموظف مرتكبًا لجريمة تلقائيًا.
فالمسؤولية الجنائية شخصية، ولا تقوم إلا إذا ثبت أن الموظف ارتكب فعلًا يجرمه القانون وتوافرت لديه العناصر المعنوية اللازمة.
أما مجرد عدم اكتشاف تزوير دقيق أو وقوع خطأ مهني فلا يتحول بذاته إلى جريمة ما لم ينطبق نص جنائي محدد.
الحادي عشر: التواطؤ مع مزور أو مستفيد
تختلف المسألة إذا ثبت أن أحد موظفي البنك كان يعلم بتزوير الشيك أو شارك في اصطناعه أو سهل صرفه عمدًا لصالح شخص لا يستحق قيمته.
فهنا لا يقتصر الأمر على المسؤولية المصرفية، وقد تدخل الواقعة في نطاق جرائم التزوير أو استعمال المحررات المزورة أو الاستيلاء أو غيرها من الجرائم بحسب الدور الذي قام به الموظف وصفة المال محل الجريمة.
ويجب إثبات الاتفاق أو المساعدة أو العلم، ولا يكفي مجرد كون الموظف هو من نفذ عملية الصرف.
الثاني عشر: الامتناع عن إعطاء بيان عدم الوفاء
يلعب بيان البنك بعدم الوفاء دورًا مهمًا في إثبات تقديم الشيك وسبب عدم صرفه، ولذلك جرم المشرع تعمد موظف البنك الامتناع عن وضع أو تسليم البيان الذي يفرضه قانون التجارة.
وتنبع خطورة هذا التصرف من أن الامتناع قد يؤثر في قدرة الحامل على إثبات الواقعة ومباشرة الحقوق التي يقررها له القانون.
الثالث عشر: دفتر الشيكات المخالف للقانون
تلزم المادة 530 البنك الذي يسلم العميل دفتر شيكات بأن يثبت على كل نموذج البيانات التي حددها القانون، ومنها:
- رقم الشيك.
- اسم البنك أو أحد فروعه.
- اسم العميل الذي تسلم الدفتر.
- رقم حساب العميل.
وجرمت المادة 533 تعمد موظف البنك تسليم العميل دفترًا لا يتضمن هذه البيانات.
وهذه صورة مهمة من صور المسؤولية الجنائية الخاصة بالبنك وموظفيه، وهي تختلف عن المسؤولية التي تقع على الساحب عند إساءة استعمال دفتر صحيح.
الرابع عشر: إصدار شيك دون مقابل وفاء مسؤولية الساحب أساسًا
المادة 534 من قانون التجارة تتعلق أساسًا بمن يصدر شيكًا ليس له مقابل وفاء قابل للصرف، أو يسترد الرصيد بعد الإصدار، أو يصدر أمرًا غير مشروع بعدم الصرف، أو يحرر الشيك بسوء نية على نحو يمنع صرفه.
وهذه الجريمة تختلف عن الجرائم المنسوبة إلى موظفي البنك في المادة 533.
فإذا أصدر العميل شيكًا بلا مقابل وفاء، لا يصبح البنك مرتكبًا للجريمة لمجرد أن الحساب لا يحتوي على الرصيد؛ بل يقع التجريم في الأصل على الساحب إذا توافرت أركان المادة 534.
الخامس عشر: البنك لا «يصرف شيكًا دون رصيد» بالمعنى القانوني المعتاد
من غير الدقيق القول إن البنك يتحمل المسؤولية لأنه «صرف شيكًا دون رصيد»؛ فالوفاء نفسه يفترض عادةً وجود أموال أو تسهيل أو سبب يسمح بالخصم.
إذا أدى البنك قيمة الشيك رغم عدم كفاية رصيد العميل، فقد ينشأ مركز مدين للعميل تجاه البنك أو تسهيل مصرفي، بحسب العلاقة المصرفية القائمة بينهما.
أما الجريمة الخاصة بإصدار شيك بلا مقابل وفاء فتتعلق بالساحب، وليس بالبنك الذي قرر – في إطار علاقته بعميله – الوفاء بقيمة الشيك.
السادس عشر: المسؤولية المدنية للبنك عن أخطاء الصرف
قد تنشأ مسؤولية البنك المدنية إذا خالف التزامًا قانونيًا أو تعاقديًا وتسبب ذلك في ضرر للعميل أو صاحب الحق.
ومن الصور التي تحتاج إلى فحص بحسب كل واقعة:
- الخصم من حساب العميل بموجب توقيع مزور.
- صرف الشيك لشخص لا يملك الحق في اقتضاء قيمته.
- مخالفة اعتراض قانوني صحيح على الوفاء.
- الامتناع غير المشروع عن الوفاء رغم توافر شروطه.
- الأخطاء في تنفيذ تعليمات الحساب أو التحقق من المستفيد.
ولا تعني المسؤولية المدنية بالضرورة وجود جريمة جنائية؛ فلكل نظام عناصره المستقلة.
السابع عشر: كشف الحساب وأثر عدم الاعتراض عليه
تنظم المادة 530 كذلك أثر كشوف الحساب الدورية التي يرسلها البنك إلى العميل.
ويعتبر القبول الصريح أو الضمني لكشف الحساب إبراءً لذمة البنك من القيود التي تضمنها في الحدود التي يقررها النص، ويعد عدم اعتراض العميل خلال ثلاثين يومًا من تسلمه الكشف صورة من صور القبول الضمني.
ولهذه القاعدة أهمية عملية كبيرة في المنازعات المتعلقة بشيكات سبق خصمها من الحساب؛ ولذلك يجب على العميل مراجعة كشوف الحساب والاعتراض على القيود محل النزاع فور ظهورها.
الثامن عشر: ما الذي يجب فحصه عند النزاع مع البنك بشأن شيك؟
- أصل الشيك أو صورته البنكية: للتحقق من التوقيع والبيانات والتظهيرات.
- كشف الحساب: لمعرفة الرصيد والخصم وتوقيت العملية.
- سبب عدم الوفاء: والبيان الصادر من البنك بشأنه.
- وجود اعتراض: وسببه وتاريخه ومدى مطابقته للمادة 507.
- دفتر الشيكات: وكيف خرج الشيك من حيازة العميل إذا كان يدعي التزوير أو السرقة.
- نموذج التوقيع: المعتمد لدى البنك وقت تقديم الشيك.
- مراسلات العميل والبنك: وخاصة الإخطارات عن فقد الدفتر أو سرقته.
- كشوف الحساب الدورية: وتاريخ استلامها والاعتراض عليها.
- دور الموظف: إذا كانت هناك شبهة تعمد أو تواطؤ.
التاسع عشر: الفرق بين الجريمة والخطأ المصرفي
يمكن تلخيص التفرقة في أن الجريمة تحتاج إلى نص جنائي وعمد أو قصد وفق ما يتطلبه النص، بينما قد تقوم المسؤولية المدنية نتيجة إخلال البنك بالتزام تعاقدي أو قانوني حتى إذا لم يثبت ارتكاب جريمة.
فرفض الموظف بسوء نية الوفاء بشيك له مقابل يدخل مباشرة في المادة 533، أما الخطأ غير العمدي في تنفيذ عملية مصرفية فقد يؤدي إلى التعويض دون أن تتحقق الجريمة.
كذلك فإن صرف توقيع مزور يرتب من حيث الأصل آثارًا مدنية مهمة على علاقة البنك بعميله، ولا يكفي بذاته لإسناد جريمة إلى الموظف الذي قام بالوفاء.
الخلاصة
حدد قانون التجارة رقم 17 لسنة 1999 جرائم معينة يمكن أن تقع من موظفي البنوك في التعامل بالشيكات، وفي مقدمتها التصريح كذبًا بعدم وجود مقابل الوفاء، والرفض بسوء نية للصرف رغم وجوده، والامتناع عمدًا عن إعطاء بيان عدم الوفاء، وتسليم دفتر شيكات يخالف المتطلبات القانونية.
وفي المقابل، تبقى مسائل مثل صرف شيك مزور التوقيع أو تنفيذ عملية مصرفية خاطئة خاضعة أساسًا لقواعد المسؤولية المدنية ما لم يثبت فعل جنائي مستقل.
ومن ثم فإن التقييم القانوني الصحيح يبدأ دائمًا من تحديد الفعل المنسوب إلى البنك أو الموظف، وهل كان عمديًا، وما النص القانوني الذي يجرمه، وهل النزاع يتعلق بجريمة أم بمجرد مسؤولية مدنية أو مصرفية.