مقدمة
لم يعد التغير المناخي مجرد أزمة بيئية عابرة، بل أصبح تحديًا اقتصاديًا وتنمويًا وقانونيًا يمس الأمن الغذائي والمائي والصحي، ويؤثر في الزراعة والطاقة والنقل والسواحل والاستثمار والبنية الأساسية.
وتزداد أهمية القضية بالنسبة إلى مصر بالنظر إلى الطبيعة الجغرافية لوادي النيل ودلتاه، والامتداد الساحلي على البحرين المتوسط والأحمر، ومحدودية الموارد المائية، وارتباط قطاعات اقتصادية واسعة بالاستقرار المناخي.
وقد أكد الدستور المصري هذا الاتجاه حين قرر في المادة 46 أن لكل شخص الحق في بيئة صحية سليمة، وأن حمايتها واجب وطني، وألزم الدولة باتخاذ التدابير اللازمة للحفاظ عليها وعدم الإضرار بها والاستخدام الرشيد للموارد الطبيعية بما يضمن حقوق الأجيال القادمة.
وسبق أن تناول الدكتور مصطفى الروبي هذه القضية في مقاله المنشور بتاريخ 18 مايو 2025 تحت عنوان «الحوكمة القانونية للتغيرات المناخية السلبية»، مؤكدًا أن مواجهة آثار المناخ لا يمكن أن تعتمد على القرارات الفنية وحدها، وإنما تحتاج إلى منظومة قانونية ومؤسسية قادرة على تحويل الالتزامات والسياسات المناخية إلى قواعد تنفيذية واضحة.
التغير المناخي قضية تنمية لا قضية بيئة فقط
تؤكد أحدث التقارير الوطنية المصرية المقدمة في إطار اتفاقية الأمم المتحدة الإطارية بشأن تغير المناخ أن المخاطر التي تواجه مصر تشمل ارتفاع درجات الحرارة وموجات الحر والجفاف وارتفاع مستوى سطح البحر والأمطار الغزيرة والسيول، وأن آثارها تمتد إلى الموارد المائية والزراعة والمناطق الساحلية والصحة والتنوع البيولوجي والسياحة والطاقة والصناعة والبنية الأساسية والنقل.
وتكتسب دلتا النيل والسواحل الشمالية أهمية خاصة بسبب حساسيتها لارتفاع مستوى سطح البحر وتملح بعض الأراضي والمياه الجوفية، بينما تواجه الزراعة مخاطر مرتبطة بارتفاع الحرارة وتغير الاحتياجات المائية والإجهاد الحراري للمحاصيل.
ومن هنا فإن القانون المناخي لا ينبغي النظر إليه باعتباره مجموعة من العقوبات على التلوث فقط؛ بل باعتباره جزءًا من قانون التنمية والاستثمار والتخطيط العمراني والأمن المائي والغذائي.
الإطار القانوني البيئي في مصر
يمثل قانون البيئة رقم 4 لسنة 1994 وتعديلاته، وعلى الأخص القانونين رقمي 9 لسنة 2009 و105 لسنة 2015، الركيزة الأساسية للتشريع البيئي المصري.
وينظم القانون عددًا واسعًا من المسائل المتعلقة بحماية الهواء والمياه والبيئة البحرية، والمواد والنفايات الخطرة، وتقييم الأثر البيئي للمشروعات، ومواجهة مصادر التلوث.
ومن أهم أدوات الوقاية التي اعتمدها القانون نظام تقييم الأثر البيئي، الذي يهدف إلى دراسة الآثار المتوقعة للمشروع قبل تنفيذه بدلًا من انتظار وقوع الضرر ثم محاولة علاجه.
لكن قانون البيئة صدر في الأصل قبل أن يصبح تغير المناخ محورًا رئيسيًا في السياسات الاقتصادية العالمية بالصورة الحالية. ولذلك، فرغم إمكانية استخدام كثير من أحكامه في الحد من التلوث والانبعاثات، فإنه لا يمثل وحده إطارًا متكاملًا لتنظيم سياسة مناخية وطنية تشمل التخفيف والتكيف والتمويل والإفصاح المناخي وأسواق الكربون.
منظومة تشريعية أوسع من قانون البيئة
إلى جانب قانون البيئة، توجد تشريعات أخرى تؤثر بصورة مباشرة في الانتقال نحو اقتصاد أكثر استدامة، ومن بينها:
- القانون رقم 203 لسنة 2014 بشأن تحفيز إنتاج الكهرباء من مصادر الطاقة المتجددة.
- قانون الكهرباء رقم 87 لسنة 2015.
- قانون تنظيم إدارة المخلفات رقم 202 لسنة 2020.
- قانون الموارد المائية والري رقم 147 لسنة 2021.
- قواعد الاستثمار والتمويل الأخضر والحوافز المرتبطة ببعض المشروعات ذات البعد البيئي.
وتكشف هذه التشريعات عن تطور مهم في السياسة المصرية، لكن المشكلة الأساسية تكمن في أن قواعد المناخ موزعة بين عدد كبير من القطاعات والجهات، بينما يتسم تغير المناخ بطبيعته بأنه قضية عابرة للقطاعات.
هل تحتاج مصر إلى قانون خاص بالتغير المناخي؟
لا يوجد حتى الآن قانون مصري أفقي شامل يحمل اسم «قانون التغير المناخي» وينظم جميع جوانب القضية في إطار تشريعي واحد.
لكن وصف الوضع بأنه «فراغ تشريعي كامل» سيكون مبالغًا فيه؛ فهناك بالفعل قوانين بيئية وطاقة ومياه ومخلفات، واستراتيجيات ومؤسسات وطنية، والتزامات دولية وآليات تنظيمية حديثة مثل سوق الكربون الطوعي.
المشكلة الأدق هي وجود فجوة بين تعدد الأدوات القانونية وبين غياب إطار تشريعي جامع للمناخ يحدد بصورة واضحة مسؤوليات القطاعات المختلفة، وآليات قياس الانبعاثات والإفصاح عنها، وخطط التكيف، والتمويل، ومتابعة تحقيق الأهداف الوطنية.
ومن ثم فإن إصدار قانون للمناخ يمكن أن يمثل تطورًا مهمًا إذا جاء مكملًا للتشريعات القائمة، لا قانونًا يضيف طبقة بيروقراطية جديدة إليها.
المجلس الوطني للتغيرات المناخية… البناء المؤسسي قائم بالفعل
من المهم هنا تصحيح فكرة إنشاء هيئة جديدة من نقطة الصفر؛ إذ يوجد في مصر بالفعل المجلس الوطني للتغيرات المناخية، الذي أنشئ بقرار رئيس مجلس الوزراء رقم 1912 لسنة 2015، ثم أعيد تنظيمه بموجب القرار رقم 1129 لسنة 2019.
ويرأس المجلس رئيس مجلس الوزراء، ويُعد الجهة الوطنية المعنية بملف تغير المناخ، ويتولى رسم السياسات العامة، وتطوير الاستراتيجيات والخطط القطاعية، وربط سياسات المناخ بالتنمية المستدامة، ومتابعة الالتزامات الدولية وبناء القدرات والتنسيق بين الجهات.
ولذلك فإن الإصلاح المؤسسي الأكثر واقعية قد لا يكون إنشاء جهاز جديد موازٍ، وإنما تعزيز أدوات المجلس القائمة، وتحديد مسؤوليات التنفيذ والمتابعة بصورة أكثر إلزامًا، وربط الوزارات والهيئات بنظام موحد للبيانات والمؤشرات.
من الاستراتيجية إلى الالتزام القانوني
أطلقت مصر الاستراتيجية الوطنية لتغير المناخ 2050 لتوفير إطار طويل الأجل يربط التنمية الاقتصادية بالعمل المناخي، وتشمل أهدافها تحقيق نمو اقتصادي مستدام منخفض الانبعاثات، وبناء القدرة على التكيف، وتحسين حوكمة العمل المناخي، وتعزيز التمويل والبحث العلمي.
كما قدمت مصر تحديثها الثاني للمساهمة المحددة وطنيًا في يونيو 2023، متضمنًا أهدافًا قطاعية حتى عام 2030، ومنها خفض الانبعاثات المتوقعة مقارنة بمسار الأعمال المعتاد بنسبة 37% في قطاع الكهرباء، و7% في النقل، و65% في الانبعاثات المرتبطة بالغازات المصاحبة في قطاع البترول والغاز، مع ارتباط التنفيذ بتوافر التمويل والدعم الدولي.
وفي عام 2026 قدمت مصر كذلك بلاغها الوطني الرابع إلى اتفاقية الأمم المتحدة الإطارية، بما يعكس تطور منظومة القياس والتخطيط والمتابعة المتعلقة بالمناخ.
لكن الاستراتيجية، مهما بلغت أهميتها، لا تملك القوة القانونية ذاتها التي يملكها التشريع الملزم. وهنا يأتي دور القانون في تحويل أهداف السياسة العامة إلى مسؤوليات محددة يمكن قياس تنفيذها ومساءلة الجهات عنها.
ما الذي يمكن أن يتضمنه قانون مصري للمناخ؟
ينبغي أن يقوم أي تشريع مستقبلي على منهج عملي، وأن يتجنب مجرد إعادة صياغة المبادئ الدولية في نصوص عامة.
ومن أهم المسائل التي يمكن تنظيمها:
- تحديد الأهداف الوطنية للتخفيف والتكيف وآلية مراجعتها دوريًا.
- تحديد مسؤولية كل وزارة وقطاع في تنفيذ السياسة المناخية.
- إنشاء نظام وطني موحد لقياس الانبعاثات والإبلاغ عنها والتحقق منها.
- إدماج المخاطر المناخية في تقييم المشروعات الكبرى والبنية الأساسية.
- تنظيم خطط التكيف في المناطق الساحلية والزراعة والمياه والصحة.
- وضع إطار قانوني متكامل للتمويل المناخي وأدوات السوق.
- تنظيم الإفصاحات المناخية للشركات في القطاعات التي يحددها القانون.
- حماية الفئات والمناطق الأكثر تعرضًا للمخاطر المناخية.
- تحديد آليات المتابعة ونشر تقارير دورية عن التقدم في التنفيذ.
الهدف ليس فرض سقف واحد على جميع الصناعات
يحتاج تنظيم الانبعاثات إلى قدر من التدرج والدقة؛ ففرض حد موحد لانبعاثات ثاني أكسيد الكربون على جميع المشروعات لن يكون عمليًا بسبب اختلاف طبيعة الصناعات والتكنولوجيا المستخدمة.
والأفضل هو وضع معايير قطاعية تستند إلى طبيعة النشاط وكثافة الانبعاثات وأفضل التقنيات المتاحة، مع تطويرها تدريجيًا بما يسمح للصناعة بالتكيف والاستثمار في خفض الانبعاثات.
كما يجب أن يصاحب أي التزام جديد نظام حوافز وتمويل؛ لأن الانتقال إلى التكنولوجيا النظيفة قد يتطلب استثمارات رأسمالية كبيرة، خاصة بالنسبة إلى الصناعات كثيفة الطاقة.
أسواق الكربون أصبحت واقعًا في مصر
من أهم التطورات التي شهدتها مصر في مجال التمويل المناخي إطلاق أول سوق طوعي منظم ومراقب لشهادات خفض الانبعاثات الكربونية في أغسطس 2024 تحت رقابة الهيئة العامة للرقابة المالية وبالتعاون مع وزارة البيئة والبورصة المصرية.
وسبق ذلك تعديل اللائحة التنفيذية لقانون سوق رأس المال بموجب قرار رئيس مجلس الوزراء رقم 4664 لسنة 2022، بما سمح باعتبار شهادات خفض الانبعاثات أدوات مالية قابلة للتداول وفق الضوابط المنظمة.
وأصدرت الهيئة العامة للرقابة المالية بعد ذلك مجموعة من القواعد المنظمة لتسجيل مشروعات خفض الانبعاثات، واعتماد جهات التحقق والمصادقة، وقيد وشطب الشهادات وتداولها وتسويتها.
ويعني ذلك أن النقاش التشريعي تجاوز مرحلة التفكير النظري في سوق للكربون؛ فالسوق موجود بالفعل، والتحدي الحالي يتمثل في توسيع قاعدة المشروعات، وضمان جودة وحدات الخفض، ومنع الازدواج في احتساب الانبعاثات، وربط السوق باحتياجات التمويل الأخضر.
تمويل المناخ: من الدعم إلى الاستثمار
تحتاج مشروعات التكيف وخفض الانبعاثات إلى موارد مالية ضخمة، ولا يمكن الاعتماد على الموازنة العامة أو التمويل الدولي وحدهما.
ولهذا يجب أن تتكامل السياسة القانونية مع أدوات مثل:
- السندات والصكوك الخضراء.
- شهادات خفض الانبعاثات الكربونية.
- التمويل المرتبط بالاستدامة.
- الحوافز الاستثمارية للمشروعات النظيفة.
- الشراكة بين القطاعين العام والخاص.
- الضمانات التي تساعد على خفض مخاطر تمويل المشروعات المناخية.
والهدف هو تحويل الالتزام البيئي من تكلفة فقط إلى فرصة استثمارية قابلة للتمويل.
الزراعة والمياه… الأولوية هي التكيف
في دولة تعاني محدودية الموارد المائية، لا يمكن أن تقتصر سياسة المناخ على خفض الانبعاثات؛ فالتكيف مع الآثار القائمة والمستقبلية له أهمية لا تقل عن التخفيف.
ويعد قانون الموارد المائية والري رقم 147 لسنة 2021 جزءًا مهمًا من الإطار القانوني لحماية الموارد المائية وتنظيم استخدامها وحماية المجاري المائية والمنشآت المرتبطة بها.
ويجب أن يتكامل ذلك مع سياسات تشجع الري الأكثر كفاءة، وإعادة الاستخدام الآمن للمياه، وحماية الأراضي من التدهور والملوحة، وتطوير الأصناف الزراعية الأكثر قدرة على تحمل الحرارة والجفاف.
كما يمكن دعم الزراعة الذكية مناخيًا من خلال حوافز للاستثمار في الاستشعار عن بعد، والإنذار المبكر، وإدارة المياه، وتكنولوجيا تحليل المناخ والمحاصيل.
المناطق الساحلية تحتاج إلى قواعد تخطيط مناخية
تؤكد التقارير المناخية المصرية الحديثة أن ارتفاع مستوى سطح البحر يمثل أحد المخاطر الرئيسية على الساحل المتوسطي.
وهذا يفرض الانتقال من معالجة حماية الشواطئ باعتبارها مشروعًا هندسيًا فقط إلى إدخال المخاطر المناخية في قوانين وقرارات التخطيط العمراني وتخصيص الأراضي والتراخيص الساحلية.
فالمبنى أو المشروع السياحي أو الصناعي الذي يستمر لعشرات السنوات يجب ألا يُقيّم فقط وفق حالة الساحل يوم إصدار الترخيص، بل وفق المخاطر المتوقعة خلال العمر الاقتصادي للمشروع.
الطاقة المتجددة والتحول منخفض الكربون
وفرت مصر إطارًا تشريعيًا مهمًا للطاقة النظيفة من خلال القانون رقم 203 لسنة 2014 بشأن تحفيز إنتاج الكهرباء من مصادر الطاقة المتجددة، إلى جانب قانون الكهرباء رقم 87 لسنة 2015.
كما استهدفت الخطط المصرية رفع مساهمة الطاقة المتجددة في مزيج توليد الكهرباء بصورة كبيرة خلال السنوات المقبلة، وتضمنت وثائق استراتيجية هدف الوصول إلى نحو 42%، مع اتجاهات لاحقة لتسريع التحول.
ولا تحتاج مصر في هذا المجال إلى إنشاء وزارة جديدة للطاقة المتجددة؛ إذ توجد بالفعل وزارة الكهرباء والطاقة المتجددة وهيئة الطاقة الجديدة والمتجددة. والتحدي الحقيقي هو تحسين التنسيق، وتسريع الاستثمار، وتطوير الشبكات والتخزين ونظم شراء الكهرباء، وإزالة العقبات التنظيمية التي تواجه القطاع الخاص.
الهيدروجين منخفض الكربون والفرص التشريعية الجديدة
توسع اهتمام الدولة خلال السنوات الأخيرة بمشروعات الهيدروجين منخفض الكربون والأمونيا الخضراء، مستفيدة من موارد الطاقة الشمسية والرياح وموقع مصر بالقرب من أسواق أوروبا وممرات الشحن الدولية.
وهذه الصناعة تثير مسائل قانونية جديدة تتعلق بالأرض والطاقة والمياه والموانئ وعقود الشراء طويلة الأجل وشهادات المنشأ الأخضر ومعايير احتساب الانبعاثات.
ومن ثم فإن جذب الاستثمارات في هذا القطاع يحتاج إلى قواعد واضحة ومستقرة تسمح للمستثمر بمعرفة شروط الإنتاج والتصدير والاعتماد البيئي منذ بداية المشروع.
المباني والمدن والنقل جزء من السياسة المناخية
لا تقتصر الانبعاثات على محطات الكهرباء والمصانع. فتصميم المدن ووسائل النقل وكفاءة المباني يحدد جزءًا كبيرًا من استهلاك الطاقة خلال عشرات السنوات.
ولهذا ينبغي تطوير القواعد المنظمة لكفاءة الطاقة في المباني، واستخدام المواد المناسبة للمناخ، وتوفير المساحات الخضراء، وإدارة مياه الأمطار والسيول، وتشجيع النقل الجماعي والكهربائي.
وتتميز هذه الإجراءات بأنها تحقق فائدتين معًا: تخفيض الانبعاثات وتقليل تكلفة استهلاك الطاقة على المواطن والمنشأة.
تقييم الأثر البيئي يحتاج إلى بعد مناخي
من أهم الإصلاحات العملية الممكنة تطوير نظام تقييم الأثر البيئي بحيث لا يقتصر في المشروعات الكبرى على سؤال: «ما مقدار التلوث الذي قد يسببه المشروع؟»، بل يشمل أيضًا سؤالين آخرين:
- ما أثر المشروع المتوقع على الانبعاثات والمناخ؟
- هل يستطيع المشروع نفسه تحمل مخاطر المناخ المستقبلية؟
فمحطة أو مصنع أو مدينة جديدة قد تكون مستوفية للشروط البيئية التقليدية، لكنها معرضة لخطر السيول أو ارتفاع الحرارة أو نقص المياه خلال عمرها التشغيلي.
وهذا التحول من تقييم الأثر البيئي إلى تقييم أكثر شمولًا للمخاطر المناخية سيحمي الدولة والمستثمر في الوقت ذاته.
المشاركة المجتمعية والحق في المعلومات
لا يمكن بناء حوكمة مناخية فعالة دون بيانات متاحة ومشاركة مجتمعية حقيقية.
فالمواطن يحتاج إلى معرفة حالة الهواء والمياه والمخاطر المحيطة بمنطقته، كما يحتاج المستثمر إلى قواعد مستقرة وبيانات تسمح له بتقييم المخاطر قبل اتخاذ القرار.
ومن المفيد تطوير منصة وطنية موحدة لبيانات المناخ والانبعاثات والمؤشرات البيئية، مع نشر البيانات التي لا تتعارض مع الأمن القومي أو الأسرار التجارية، وإتاحة آليات واضحة لتقديم الشكاوى والمقترحات البيئية.
القضاء والمنازعات المناخية
مع توسع الالتزامات البيئية والمناخية عالميًا، بدأت المنازعات المتعلقة بالمناخ تتزايد في العديد من الدول، سواء ضد الجهات العامة أو الشركات.
وفي مصر، لا تبدو الحاجة بالضرورة في إنشاء محكمة مناخية مستقلة، وإنما في رفع كفاءة القضاء والخبراء في المنازعات البيئية المعقدة، وتطوير الخبرة الفنية المتعلقة بالانبعاثات والكربون والتلوث وتقييم الضرر البيئي.
فإنشاء هياكل قضائية جديدة ليس دائمًا هو الحل؛ وقد يكون تدريب الدوائر المختصة والخبراء وتطوير قواعد الإثبات أكثر فاعلية وأقل تعقيدًا.
التعاون الدولي واتفاق باريس
تشارك مصر في اتفاق باريس للمناخ وتقدم تقاريرها ومساهماتها الوطنية من خلال منظومة الأمم المتحدة للمناخ.
وأحدث مساهمة مصرية مسجلة حتى الآن في سجل المساهمات المحددة وطنيًا هي التحديث الثاني لمساهمتها حتى عام 2030 والمقدم في يونيو 2023، إلى جانب البلاغ الوطني الرابع المقدم في مايو 2026 وبلاغ التكيف الأول المقدم في نوفمبر 2025.
وهذه الوثائق تؤكد أن الالتزام الدولي لا يقتصر على إعلان أهداف خفض الانبعاثات، بل يمتد إلى القياس والإفصاح والتكيف والتمويل وبناء القدرات.
ومن هنا يجب أن يقوم الإصلاح التشريعي المصري على مواءمة الالتزامات الدولية مع الأولويات الوطنية، لا على استنساخ نماذج تشريعية أجنبية لا تتناسب بالضرورة مع احتياجات الاقتصاد المصري.
أهم التحديات أمام الحوكمة المناخية
- تشتت الإطار التشريعي: وجود قواعد مناخية وبيئية موزعة بين عدة قوانين وقطاعات دون تشريع جامع.
- صعوبة التنسيق المؤسسي: لأن ملف المناخ يشارك فيه عدد كبير من الوزارات والهيئات.
- الفجوة التمويلية: فتكلفة التكيف والتحول إلى التكنولوجيا النظيفة أكبر من قدرة التمويل العام وحده.
- الحاجة إلى بيانات أكثر انتظامًا: فالإدارة الفعالة للانبعاثات والمخاطر تبدأ بقياسها.
- تفاوت قدرات المنشآت: خاصة بين الشركات الكبرى والمنشآت الصغيرة والمتوسطة في تحمل تكلفة الامتثال.
- الحاجة إلى كفاءات فنية وقانونية: تستطيع التعامل مع أسواق الكربون والإفصاح المناخي والتكنولوجيا الجديدة.
- ضعف الوعي: إذ لا يزال تغير المناخ بالنسبة إلى كثيرين قضية بعيدة عن القرارات اليومية رغم أثره المباشر على المياه والطاقة والغذاء والصحة.
توصيات للإصلاح التشريعي
- إعداد قانون وطني متكامل للمناخ يربط بين التخفيف والتكيف والتمويل والشفافية دون إلغاء القوانين القطاعية القائمة.
- تعزيز دور المجلس الوطني للتغيرات المناخية بدل إنشاء كيانات متوازية، مع وضع آليات أكثر وضوحًا لمتابعة تنفيذ قراراته.
- إنشاء منظومة موحدة لقياس الانبعاثات والإبلاغ والتحقق منها وفق معايير تتناسب مع طبيعة كل قطاع.
- إدخال المخاطر المناخية في تقييم المشروعات الكبرى والتخطيط العمراني والبنية الأساسية.
- توسيع أدوات التمويل الأخضر وربط الحوافز الاستثمارية بمؤشرات أداء بيئي قابلة للقياس.
- تطوير سوق الكربون الطوعي مع ضمان المصداقية والشفافية ومنع ازدواج احتساب وحدات الخفض.
- دعم الشركات الصغيرة والمتوسطة فنيًا وماليًا حتى لا تتحول متطلبات الاستدامة إلى حاجز أمام نموها.
- رفع كفاءة القضاء والخبراء والمحامين في المنازعات البيئية والمناخية والأسواق الخضراء.
- تطوير التشريعات المتعلقة بالسواحل والمياه والزراعة لتضمين المخاطر المناخية المستقبلية.
- تعزيز نشر البيانات والوعي البيئي باعتبارهما جزءًا من الرقابة والمشاركة المجتمعية.
دور مكتب الدكتور مصطفى الروبي – محامون ومستشارون
يرى مكتب الدكتور مصطفى الروبي – محامون ومستشارون أن التحول الأخضر لا يغير السياسات الحكومية فقط، وإنما يعيد تشكيل البيئة القانونية التي تعمل فيها الشركات.
فالمشروعات الصناعية والطاقة والنقل والزراعة والعقارات أصبحت مطالبة بالنظر بصورة أكثر جدية إلى الالتزامات البيئية والمناخية منذ مرحلة التأسيس ودراسة الجدوى.
ومن أهم مجالات الدعم القانوني في هذا القطاع:
- مراجعة الالتزام بقانون البيئة والتراخيص والاشتراطات البيئية.
- مراجعة دراسات تقييم الأثر البيئي من الناحية القانونية.
- صياغة عقود مشروعات الطاقة المتجددة والهيدروجين والمشروعات الخضراء.
- مراجعة المخاطر البيئية في صفقات الاستثمار والاستحواذ.
- تقديم المشورة بشأن شهادات خفض الانبعاثات وأسواق الكربون.
- إدارة المنازعات المرتبطة بالتلوث والمسؤولية البيئية.
- مساعدة الشركات على إدخال الالتزام البيئي والاستدامة ضمن سياساتها وعقودها.
والهدف من الاستشارة القانونية الحديثة ليس فقط حماية الشركة من الغرامة، وإنما مساعدتها على فهم كيفية تحول المتطلبات البيئية إلى عنصر في التمويل والتصدير والتنافس والوصول إلى الأسواق العالمية.
خاتمة
أصبحت التغيرات المناخية السلبية دعوة مباشرة إلى الإصلاح التشريعي؛ لأن الأدوات القانونية التي صُممت أساسًا لمواجهة التلوث التقليدي لم تعد وحدها كافية لإدارة مخاطر تمتد إلى الاقتصاد والزراعة والمياه والصحة والمدن والسواحل.
وقد بنت مصر بالفعل قاعدة مهمة للعمل المناخي من خلال قانون البيئة والتشريعات القطاعية، والمجلس الوطني للتغيرات المناخية، والاستراتيجية الوطنية لتغير المناخ 2050، والمساهمات المحددة وطنيًا، وسوق الكربون الطوعي، والتوسع في الطاقة المتجددة.
ومن ثم فإن المرحلة المقبلة لا تبدأ من الصفر، وإنما تتطلب ربط هذه الأدوات في إطار قانوني أكثر تكاملًا وقابلية للقياس والمساءلة.
كما يجب ألا يتحول الإصلاح إلى مجرد زيادة في عدد الجهات أو التراخيص؛ فالحوكمة الجيدة تعني وضوح المسؤولية، وتوحيد البيانات، وسرعة القرار، وتوجيه التمويل إلى المشروعات الأكثر قدرة على خفض المخاطر وتحقيق التنمية.
ويؤكد الدكتور مصطفى الروبي أن حماية المناخ لم تعد مسألة اختيارية أو مؤجلة، بل أصبحت جزءًا من حماية الاستثمار والأمن المائي والغذائي وحقوق الأجيال المقبلة. ومن هنا يصبح القانون إحدى أهم أدوات الانتقال من الاستجابة للأزمة بعد وقوعها إلى الاستعداد لها ومنع آثارها قبل أن تصبح أكثر تكلفة وتعقيدًا.
د. مصطفى الروبي يكتب في جريدة الفجر – الحوكمة القانونية للتغيرات المناخية السلبية
مصادر رسمية ومراجع
- جهاز شؤون البيئة – قانون البيئة رقم 4 لسنة 1994 وتعديلاته
- جهاز شؤون البيئة – المجلس الوطني للتغيرات المناخية
- هيئة الطاقة الجديدة والمتجددة – التشريعات المنظمة للطاقة المتجددة
- وزارة الموارد المائية والري – قانون الموارد المائية والري رقم 147 لسنة 2021
- اتفاقية الأمم المتحدة الإطارية بشأن تغير المناخ – المساهمة المصرية المحدثة حتى 2030
- اتفاقية الأمم المتحدة الإطارية بشأن تغير المناخ – البلاغ الوطني الرابع لمصر 2026
- اتفاقية الأمم المتحدة الإطارية بشأن تغير المناخ – بلاغ التكيف المصري
- الهيئة العامة للرقابة المالية – سوق الكربون الطوعي في مصر