السبت إلى الخميس، 9:00 صباحًا - 6:00 مساءً

الرؤى القانونية

حماية هوية الإسكندرية بين النص القانوني والتحديات المعاصرة

دراسة قانونية في العيد القومي للإسكندرية

قدّر لي أن أكون من أبناء مدينة الإسكندرية وقاطنيها، وهي مدينة لا تختزل قيمتها في موقعها على البحر المتوسط أو في كونها أحد أهم الموانئ المصرية، وإنما تستمد شخصيتها من تراكم حضاري ومعماري وثقافي امتد لأكثر من ألفي عام.

فمنذ تأسيس الإسكندرية في القرن الرابع قبل الميلاد، تعاقبت عليها الحضارات الهلنستية والرومانية والقبطية والإسلامية، ثم شهدت في العصر الحديث تأثيرات متوسطية أوروبية وعربية تركت بصمتها على شوارعها ومبانيها وأحيائها القديمة. ولذلك فإن «هوية الإسكندرية» ليست طرازًا معماريًا واحدًا، بل هي حصيلة هذا التنوع التاريخي الذي صنع شخصية المدينة.

لكن هذه الهوية أصبحت تواجه ضغوطًا متزايدة بفعل التوسع العمراني والكثافة السكانية وارتفاع قيمة الأراضي وتدهور بعض المباني القديمة وتغير استخداماتها، إلى جانب تحديات ساحلية ومناخية تستدعي إعادة النظر في الطريقة التي ندير بها التراث العمراني للمدينة.

وسبق أن تناول الدكتور مصطفى الروبي هذه القضية في مقاله المنشور بمناسبة العيد القومي للإسكندرية عام 2025 تحت عنوان «كيف يحمي القانون هوية الإسكندرية من الاندثار؟»، وتأتي هذه الدراسة امتدادًا لذلك الطرح مع توسع أكبر في بيان الأدوات القانونية المتاحة وحدودها والمشكلات التي تواجه تطبيقها.

26 يوليو… لماذا تحتفل الإسكندرية بعيدها القومي؟

يوافق العيد القومي لمحافظة الإسكندرية يوم 26 يوليو من كل عام، ويرتبط هذا التاريخ بخروج الملك فاروق من مصر في 26 يوليو 1952 عقب ثورة يوليو؛ إذ غادر من ميناء رأس التين على ظهر اليخت الملكي «المحروسة» متجهًا إلى إيطاليا بعد تنازله عن العرش.

ومن ثم فإن المناسبة لا ترتبط بخروج آخر جندي بريطاني من الإسكندرية عام 1956 كما يرد أحيانًا، وإنما بحدث وقع في المدينة في عام 1952 وأصبح جزءًا من ذاكرتها السياسية والوطنية.

والاحتفال بالعيد القومي يمكن أن يتجاوز إحياء المناسبة التاريخية ليصبح فرصة سنوية لمراجعة ما فقدته المدينة من مبانٍ ومعالم وما نجحنا في حمايته، وما تحتاج إليه الإسكندرية من سياسات جديدة حتى لا يتحول التطوير العمراني إلى محو لذاكرتها.

ما المقصود قانونًا بهوية الإسكندرية؟

لا يستخدم القانون المصري تعبير «هوية المدينة» باعتباره حقًا قانونيًا مستقلًا له تعريف جامع، وإنما يحمي عناصر هذه الهوية من خلال مجموعة من التشريعات المنظمة للآثار والتراث المعماري والبناء والتنسيق الحضاري والإعلانات والتخطيط العمراني.

ولهذا فإن حماية هوية الإسكندرية تتكون عمليًا من ثلاثة مستويات:

  • حماية الآثار والمواقع الأثرية وفق قانون حماية الآثار.
  • حماية المباني والمنشآت ذات القيمة المعمارية أو التاريخية حتى إذا لم تكن مسجلة كآثار.
  • حماية المشهد العمراني والبصري للمدينة من خلال قواعد التخطيط والبناء والتنسيق الحضاري وتنظيم الإعلانات.

وهذا التمييز مهم؛ لأن المبنى القديم ليس بالضرورة «أثرًا»، كما أن عدم تسجيل المبنى كأثر لا يعني أنه يجوز هدمه دون بحث ما إذا كان مدرجًا ضمن قوائم التراث المعماري.

أولًا: قانون حماية التراث المعماري رقم 144 لسنة 2006

يمثل القانون رقم 144 لسنة 2006 بشأن تنظيم هدم المباني والمنشآت غير الآيلة للسقوط والحفاظ على التراث المعماري أحد أهم خطوط الدفاع القانونية عن المباني التاريخية في الإسكندرية، وقد عُدلت بعض أحكامه بالقانون رقم 3 لسنة 2020.

ويحظر القانون الترخيص بالهدم أو الإضافة للمباني والمنشآت ذات الطراز المعماري المتميز متى كانت مرتبطة بالتاريخ القومي، أو بشخصية تاريخية، أو اعتبرت مزارًا سياحيًا، وذلك وفق الآلية التي رسمها القانون لتحديد تلك المباني.

وتكمن أهمية هذا القانون في أنه يوفر حماية لمبانٍ قد تكون ذات قيمة كبيرة لهوية المدينة رغم عدم انطباق وصف «الأثر» عليها بالمعنى الذي حدده قانون الآثار.

كيف يُدرج المبنى ضمن قوائم التراث؟

نظم القانون عملية الحصر من خلال لجان متخصصة في كل محافظة، تضم ممثلين للجهات المختصة وعددًا من أساتذة الجامعات في تخصصات الهندسة المعمارية والإنشائية والآثار والتاريخ والفنون.

وتتولى هذه اللجان حصر المباني التي تتوافر فيها معايير الحماية ومراجعة الحصر بصفة دورية، ثم ترفع القرارات وفق الإجراءات التي يحددها القانون لاعتمادها.

ويترتب على إدراج العقار في القائمة آثار قانونية حقيقية، أهمها تقييد هدمه أو إجراء إضافات تؤثر على قيمته المعمارية، ولذلك نظم القانون كذلك حق ذوي الشأن في التظلم من قرار الإدراج وفق المواعيد والإجراءات المقررة.

وبعد تعديل عام 2020 أصبح التظلم من القرارات النهائية المتعلقة بالإدراج ممكنًا خلال ستين يومًا من تاريخ استلام الإخطار وفق الضوابط المنصوص عليها.

المبنى التراثي ليس أثرًا بالضرورة

هذه من أكثر النقاط التي يحدث بشأنها خلط.

فقد يكون المبنى منشأ في القرن التاسع عشر أو أوائل القرن العشرين، ويتمتع بقيمة معمارية أو يرتبط بشخصية أو واقعة تاريخية، فيخضع لحماية القانون رقم 144 لسنة 2006، دون أن يكون أثرًا مسجلًا وفق قانون حماية الآثار.

وبالعكس، إذا كان العقار مسجلًا أثرًا، فإن حمايته تخضع لمنظومة قانونية أشد وأكثر تخصصًا، وتدخل ضمن اختصاص المجلس الأعلى للآثار.

والفرق ليس نظريًا؛ إذ يحدد الجهة المختصة، وإجراءات التعامل مع العقار، والقيود المفروضة عليه، وطريق التظلم أو الطعن، بل ونطاق الأعمال التي يمكن تنفيذها فيه.

هل يستطيع المالك هدم المبنى التراثي لأنه يملكه؟

حق الملكية مصون، لكنه ليس حقًا مطلقًا منفصلًا عن الوظيفة الاجتماعية للملكية والقواعد المنظمة للعمران والتراث.

فإذا أدرج المبنى ضمن المباني المحمية وفق القانون رقم 144 لسنة 2006، لا يستطيع المالك التعامل معه كما يتعامل مع أرض خالية أو عقار عادي، ولا يجوز أن تكون القيمة التجارية للأرض وحدها مبررًا لمحو القيمة التاريخية للمبنى.

وفي المقابل، لا ينبغي أيضًا تحميل المالك وحده كامل تكلفة الحفاظ على أصل تراثي يخدم المجتمع بأسره. ومن هنا تبرز أهمية الأدوات التي أتاحها القانون بشأن التعويض، وإمكان قيام الدولة بأعمال التدعيم والترميم والصيانة في الحالات التي أجازها.

العقوبة على الهدم غير المشروع ليست رمزية

شدد القانون الحماية الجنائية للمباني ذات القيمة، ورتب عقوبات على هدم المبنى المحمي كليًا أو جزئيًا بالمخالفة لأحكامه، إلى جانب وقف الأعمال المخالفة واتخاذ الإجراءات القانونية ضد المسؤولين عنها.

كما رتب القانون أثرًا بالغ الأهمية على هدم المبنى المحمي، يتمثل في تقييد إمكان البناء على أرضه لمدة يحددها القانون، حتى لا يصبح الهدم المخالف وسيلة اقتصادية سريعة لتحرير قطعة أرض ثم إقامة مشروع أكثر ربحية مكان المبنى التراثي.

وهذه الفلسفة مهمة؛ لأن حماية التراث تفقد معناها إذا كانت مكاسب المخالفة أعلى من تكلفة العقوبة.

ثانيًا: قانون حماية الآثار رقم 117 لسنة 1983

أما المواقع والمباني التي تتمتع بصفة أثرية فتخضع لأحكام قانون حماية الآثار رقم 117 لسنة 1983 وتعديلاته.

ويضع القانون تعريفًا للأثر يقوم، في الأصل، على مجموعة من الشروط المتعلقة بعمر العقار أو المنقول وقيمته الأثرية أو الفنية أو التاريخية وصلته بالحضارات التي قامت على أرض مصر، كما أجاز اعتبار بعض العقارات أو المنقولات آثارًا بقرار خاص إذا كانت للدولة مصلحة قومية في حفظها، حتى في بعض الحالات التي لا يتحقق فيها الشرط الزمني المعتاد.

ويمنح القانون المجلس الأعلى للآثار سلطات واسعة في إدارة المواقع الأثرية وحمايتها وصيانتها وترميمها، كما يجرم الحفر والتنقيب غير المشروع والاتجار غير القانوني في الآثار والاعتداء عليها.

الإسكندرية والآثار التي لا نراها

تتميز الإسكندرية بمشكلة خاصة لا توجد بالدرجة نفسها في كثير من المدن؛ فجانب مهم من مدينتها القديمة يوجد تحت العمران الحديث أو تحت مياه البحر.

وتضم المدينة والمياه المقابلة لسواحلها بقايا أثرية ترجع إلى عصور متعددة، وهو ما يجعل المشروعات الكبرى وأعمال الحفر والإنشاء في بعض المواقع تحتاج إلى قدر أكبر من الدراسة والتنسيق مع الجهات الأثرية المختصة.

وهنا يصبح الحفاظ على الهوية أكثر تعقيدًا من مجرد منع هدم واجهة قديمة؛ إذ يمتد إلى حماية الطبقات التاريخية الموجودة تحت المدينة نفسها.

ثالثًا: قانون البناء والتنسيق الحضاري

يأتي قانون البناء رقم 119 لسنة 2008 ليكمل منظومة الحماية من زاوية التخطيط العمراني والبناء والتنسيق الحضاري.

ويكتسب الجهاز القومي للتنسيق الحضاري، التابع لوزارة الثقافة، أهمية خاصة في هذا المجال من خلال وضع أسس ومعايير الحفاظ على المناطق والمباني ذات القيمة، وتحسين الصورة البصرية للمدن، وإعداد أدلة واشتراطات خاصة بالمناطق المتميزة.

وفي الإسكندرية توجد اشتراطات للتعامل مع مناطق الحماية تتناول موضوعات مثل النسيج العمراني، والطابع المعماري، والمباني الجديدة، والمباني المسجلة وفق القانون رقم 144 لسنة 2006، وواجهات المحال، والطرق والأرصفة، والتشجير، وبعض عناصر الواجهة الساحلية.

وهذه القواعد مهمة لأنها تنقل الحماية من «المبنى المنفرد» إلى المشهد الحضري ككل.

ليس المطلوب تحويل الإسكندرية إلى متحف مغلق

الحفاظ على الهوية لا يعني منع البناء الحديث أو تجميد المدينة عند لحظة تاريخية معينة.

فالمدينة الحية تحتاج إلى مساكن وفنادق ومكاتب وشبكات نقل ومرافق جديدة. والمشكلة ليست في الحداثة ذاتها، وإنما في إنشاء مبانٍ تتجاهل سياق المكان أو تتجاوز قدرات البنية الأساسية أو تمحو معالم ذات قيمة لا يمكن استعادتها.

والسياسة العمرانية الناجحة هي التي تسمح بالجديد، لكنها تفرض عليه قدرًا من احترام النسيج القائم في المناطق التي تستحق الحماية.

الواجهات والإعلانات جزء من هوية المدينة

قد يبقى المبنى التراثي قائمًا بينما تُفقد قيمته البصرية بسبب لافتات ضخمة أو أجهزة ومعدات عشوائية أو تغييرات غير متناسقة في الواجهات.

ولهذا ترتبط حماية هوية الإسكندرية أيضًا بتنظيم الإعلانات واللافتات في الطرق والأماكن العامة، وهو مجال نظمه القانون رقم 208 لسنة 2020 بشأن تنظيم الإعلانات على الطرق العامة، إلى جانب قواعد التنسيق الحضاري والاشتراطات المحلية ذات الصلة.

فالهوية العمرانية لا تتشكل من ارتفاع المبنى وحده، بل من الواجهات والألوان واللافتات والأرصفة وأعمدة الإنارة والأشجار والفراغ العام.

مشروع «حكاية شارع» وحفظ ذاكرة المدينة

من المبادرات المهمة للجهاز القومي للتنسيق الحضاري مشروع «حكاية شارع» ضمن مشروع «ذاكرة المدينة»، الذي يهدف إلى تعريف المواطنين بتاريخ الشوارع والميادين المرتبطة بشخصيات وأحداث مهمة.

وقد امتد المشروع إلى الإسكندرية بالتعاون مع المحافظة، وشمل تركيب عشرات اللوحات التعريفية التي تساعد على ربط اسم الشارع بتاريخه، مع اتجاه إلى استخدام أدوات رقمية مثل رموز الاستجابة السريعة للوصول إلى معلومات أوسع.

وهذه المبادرات قد تبدو بسيطة مقارنة بترميم مبنى تاريخي، لكنها تؤدي وظيفة مهمة: تحويل المدينة نفسها إلى وسيلة للتعليم وحفظ الذاكرة.

الهوية ليست مباني فقط

التراث السكندري لا يتوقف عند العمارة. فهناك أنماط للحياة والمأكولات والحرف والأسواق والقصص واللهجة والذاكرة الشعبية، وكلها عناصر تدخل في مفهوم أوسع للتراث الثقافي.

وهنا تختلف أدوات الحماية عن تلك المستخدمة في المباني. فلا يمكن حماية أغنية أو حرفة أو عادة اجتماعية بقرار يمنع هدمها، وإنما تحتاج إلى التوثيق والتعليم ودعم الممارسين والمؤسسات الثقافية ونقل المعرفة بين الأجيال.

وتوفر اتفاقية اليونسكو لصون التراث الثقافي غير المادي لعام 2003 إطارًا دوليًا لهذه الفلسفة، إلا أن إدراج أي عنصر بعينه يحتاج إلى الإجراءات والملفات الرسمية الخاصة به، ولا يعني مجرد وجوده في المدينة أنه مدرج تلقائيًا على قوائم اليونسكو.

هل الإسكندرية مدينة مسجلة على قائمة التراث العالمي؟

من المهم توضيح هذه النقطة كذلك.

الإسكندرية كمدينة كاملة ليست مدرجة حاليًا على قائمة التراث العالمي لليونسكو. لكن ملفًا بعنوان «الإسكندرية، البقايا القديمة والمكتبة الجديدة» موجود على القائمة التمهيدية المصرية للتراث العالمي منذ عام 2003.

والقائمة التمهيدية تختلف قانونيًا عن الإدراج النهائي على قائمة التراث العالمي؛ فهي تعبر عن موقع قد تتقدم الدولة مستقبلًا بترشيحه، ولا تمنحه بذاتها المركز القانوني نفسه للموقع المدرج نهائيًا.

لكن وجود الإسكندرية على هذه القائمة يؤكد القيمة الحضارية الاستثنائية لبقايا المدينة القديمة، بما فيها الآثار البرية والمغمورة بالمياه.

أخطر تحدٍّ: اقتصاد الأرض في مواجهة اقتصاد التراث

قد يقع مبنى قديم من طابقين أو ثلاثة في شارع ارتفعت فيه أسعار الأراضي بشدة، بينما يسمح الوضع العمراني المحيط بعوائد أكبر بكثير إذا أعيد تطوير الموقع.

وهنا ينشأ الصراع الحقيقي بين القيمة الاقتصادية المباشرة للأرض والقيمة التاريخية طويلة الأجل للمبنى.

وإذا اكتفى القانون بالمنع دون تقديم أدوات اقتصادية للحفاظ، فقد تتحول الحماية في نظر المالك إلى عبء. ولذلك تحتاج السياسة التراثية إلى أدوات تكمل الحظر، مثل التمويل الميسر للترميم، والحوافز الاستثمارية، وإعادة الاستخدام المتوافق مع قيمة المبنى، والشراكات بين الدولة والقطاع الخاص.

إعادة الاستخدام قد تكون أفضل وسائل الحماية

المبنى المغلق يتدهور غالبًا أسرع من المبنى المستخدم.

ولهذا فإن أحد أكثر الاتجاهات نجاحًا في حماية التراث عالميًا هو Adaptive Reuse أو إعادة الاستخدام المتوافق؛ أي منح المبنى وظيفة اقتصادية جديدة تحافظ على قيمته المعمارية بدل تركه مهجورًا.

فقد يتحول مبنى قديم، إذا سمحت القواعد المنظمة بذلك، إلى فندق صغير أو مقر ثقافي أو مكتب أو مطعم أو مساحة إبداعية، مع الحفاظ على العناصر المعمارية المهمة.

ويحقق هذا النموذج توازنًا أفضل بين حق المجتمع في الحفاظ على التراث وحق المالك في الحصول على عائد اقتصادي من ملكيته.

التغير المناخي يضيف تحديًا جديدًا للتراث السكندري

الإسكندرية مدينة ساحلية، ولذلك فإن حماية هويتها في العقود المقبلة لن تتعلق بالهدم والبناء فقط.

فارتفاع مستوى سطح البحر، وزيادة شدة بعض العواصف والنوات، والرطوبة والملوحة، كلها عوامل يمكن أن تؤثر في المباني والمنشآت التاريخية القريبة من الساحل.

وهذا يفرض إدخال المخاطر المناخية ضمن خطط الترميم والمحافظة على المباني القديمة، واختيار المواد وطرق التدعيم، وإدارة المياه والصرف، بدل انتظار وقوع الضرر ثم التدخل بعده.

قبل شراء عقار قديم في الإسكندرية… ماذا يجب أن يفحص المستثمر؟

من الأخطاء الخطيرة شراء عقار قديم على أساس مساحة الأرض وموقعها فقط، ثم اكتشاف بعد إتمام الصفقة وجود قيود تمنع الهدم أو التطوير بالصورة التي بُني عليها التقييم المالي.

ولهذا يجب أن يسبق الشراء فحص قانوني وفني يشمل:

  • التحقق مما إذا كان العقار مسجلًا أثرًا أو واقعًا في نطاق أثري.
  • التحقق من إدراجه ضمن قوائم المباني الخاضعة للقانون رقم 144 لسنة 2006.
  • مراجعة القرارات والاشتراطات الخاصة بمنطقة الحماية التي يقع فيها.
  • فحص الترخيص الأصلي والمخالفات والتعديلات التي طرأت على المبنى.
  • دراسة القيود المتعلقة بالارتفاع والاستعمال وإعادة البناء.
  • مراجعة الحالة الإنشائية بواسطة متخصصين.
  • فحص عقود الإيجار والإشغالات والحقوق القائمة للغير.

وقد يغير اكتشاف قيد تراثي واحد القيمة الاستثمارية للصفقة بالكامل؛ ولذلك فإن هذا الفحص يجب أن يتم قبل التعاقد وليس بعد شراء العقار.

وماذا يفعل مالك مبنى مدرج على قوائم التراث؟

الإدراج لا يعني أن المالك فقد ملكيته، لكنه يعني أن تصرفه في المبنى أصبح مقيدًا بالقواعد التي تحمي قيمته العامة.

وعلى المالك أن يتحقق من القرار الذي أدرج به العقار، وحدود الحماية، والأعمال التي يجوز تنفيذها، وأن يحصل على الموافقات اللازمة قبل الشروع في ترميم أو إضافة أو تعديل جوهري.

وإذا كان له اعتراض على قرار الإدراج أو على تطبيقه، فيجب استخدام طرق التظلم والطعن القانونية في مواعيدها بدل اللجوء إلى تغيير المبنى على الطبيعة ثم محاولة تسوية الوضع لاحقًا.

دور المجتمع المدني والجامعات

القانون وحده لا يستطيع مراقبة آلاف الشوارع والمباني يوميًا.

ولهذا يؤدي المجتمع المدني والجامعات والمتخصصون في العمارة والتاريخ دورًا مهمًا في التوثيق والرصد والتوعية، وفي اقتراح حلول لإعادة استخدام المباني بدل هدمها.

كما تستطيع الجامعات السكندرية إنشاء قواعد بيانات وصور ومسوح معمارية تحفظ شكل المباني وتاريخها، لأن التوثيق نفسه يصبح ذا قيمة عندما يتعرض عنصر تراثي لخطر الفقد.

ويجب أن تتم هذه المشاركة في إطار قانوني ومؤسسي منظم، وبالتعاون مع الأجهزة المختصة، حتى تتحول المبادرات المجتمعية إلى نتائج عملية.

هل نحتاج إلى تشريعات جديدة؟

تمتلك مصر بالفعل عدة قوانين يمكن من خلالها حماية قدر كبير من التراث السكندري. ولذلك فإن المشكلة ليست دائمًا في نقص النصوص، بل في التنسيق والإنفاذ والتمويل وتحديث البيانات.

ومع ذلك، توجد مساحة للتطوير التشريعي والتنظيمي، خصوصًا في مسائل:

  • تقديم حوافز حقيقية للمالك الذي يتحمل تكلفة الحفاظ على مبنى ذي قيمة عامة.
  • إتاحة نماذج أكثر مرونة لإعادة الاستخدام المتوافق للمباني التراثية.
  • رقمنة قوائم التراث وإتاحتها بصورة واضحة قبل المعاملات العقارية.
  • تطوير آليات التدخل العاجل عند تعرض مبنى تاريخي لخطر الانهيار.
  • ربط حماية التراث بالتخطيط العمراني والمناخي للمدينة ككل.
  • إعادة تقييم مناطق الحماية دوريًا في ضوء التغيرات العمرانية.

رؤية لمستقبل الإسكندرية

لا ينبغي أن يكون الهدف إعادة الإسكندرية إلى صورة قديمة لا يمكن استعادتها، وإنما حماية عناصر شخصيتها الأساسية أثناء استمرار المدينة في النمو والتغير.

ويتطلب ذلك الانتقال من مفهوم «إنقاذ المبنى عند تهديده بالهدم» إلى مفهوم أكثر شمولًا يقوم على:

  1. الحصر والتوثيق قبل وقوع الخطر.
  2. إدارة التراث باعتباره أصلًا اقتصاديًا وثقافيًا.
  3. إدخال الحماية في التخطيط العمراني منذ البداية.
  4. تشجيع إعادة الاستخدام بدل الهدم.
  5. ربط التطوير العقاري بهوية الحي والسياق العمراني.
  6. إشراك السكان في الحفاظ على ذاكرة المكان.

دور مكتب الدكتور مصطفى الروبي – محامون ومستشارون

يرى مكتب الدكتور مصطفى الروبي – محامون ومستشارون أن قضايا التراث العمراني تقع في منطقة تتقاطع فيها عدة فروع قانونية: القانون الإداري، والبناء، والملكية العقارية، والآثار، والاستثمار، وعقود التطوير.

ولذلك فإن العمل القانوني في هذا المجال لا يقتصر على الطعن في قرار هدم أو إدراج، وإنما يمكن أن يبدأ منذ مرحلة دراسة المشروع أو شراء العقار.

ومن مجالات الدعم القانوني التي يحتاج إليها الملاك والمستثمرون والمطورون:

  • التحقق من المركز التراثي والأثري للعقار قبل الشراء.
  • مراجعة قرارات إدراج المباني والتظلمات المتعلقة بها.
  • دراسة اشتراطات البناء والتنسيق الحضاري في المناطق التاريخية.
  • مراجعة عقود تطوير وإعادة تأهيل المباني القديمة.
  • التعامل مع القرارات الإدارية المتعلقة بالهدم والترميم والتراخيص.
  • إجراء الفحص القانوني للعقارات الواقعة في مناطق ذات قيمة متميزة.
  • صياغة نماذج قانونية تسمح بإعادة استخدام العقار مع المحافظة على قيمته المعمارية.

فالاستشارة القانونية المبكرة قد تمنع المستثمر من بناء دراسة جدوى كاملة على مشروع لا يسمح به الوضع التراثي أو العمراني للعقار.

الخاتمة: حماية المدينة لا تعني مقاومة التطوير

الإسكندرية ليست مجرد مجموعة من العقارات المطلة على البحر، وإنما ذاكرة ممتدة من المدينة القديمة إلى أحياء القرن التاسع عشر والعشرين، ومن المواقع الأثرية إلى الأسواق والشوارع والمباني التي تشكل الحياة اليومية لسكانها.

وقد وفر المشرع المصري عدة أدوات لحماية هذا التراث، في مقدمتها القانون رقم 144 لسنة 2006، وقانون حماية الآثار رقم 117 لسنة 1983، وقانون البناء رقم 119 لسنة 2008، فضلًا عن قواعد التنسيق الحضاري وتنظيم الإعلانات.

لكن وجود التشريع لا يكفي إذا لم يصاحبه حصر دقيق للمباني، ورقابة فعالة، وتمويل للصيانة، وبدائل اقتصادية للمالك، ورؤية عمرانية تمنع أن تصبح كل قطعة أرض مشروعًا منفصلًا عن تاريخ الشارع والحي.

إن التحدي الحقيقي ليس الاختيار بين «التراث» و«التنمية»؛ فالمدينة التي تهمل تراثها تفقد جزءًا من قيمتها الاقتصادية والسياحية والثقافية، كما أن المدينة التي تمنع التطور تمامًا تتحول إلى مكان غير قادر على خدمة سكانه.

والحل هو تنمية تحترم ذاكرة المكان: تسمح للإسكندرية بأن تتغير دون أن تفقد شخصيتها، وأن تستقبل الاستثمار دون أن تمحو تاريخها، وأن تستخدم القانون ليس فقط لوقف الهدم بعد بدايته، وإنما لتوجيه التطوير قبل أن يبدأ.

وفي ذكرى العيد القومي للإسكندرية، تصبح حماية المدينة مسؤولية مشتركة بين الدولة والمالك والمستثمر والمهندس والمحامي والمواطن؛ لأن ما يُهدم من التراث الحقيقي لا يمكن إعادة بنائه بمجرد إصدار ترخيص جديد.

في عيد الإسكندرية القومي – د. مصطفى الروبي يكتب: كيف يحمي القانون هوية الإسكندرية من الاندثار؟

مصادر ومراجع